الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              معلومات الكتاب

              قضية التخلف العلمي والتقني في العالم الإسلامي المعاصر

              الدكتور / زغلول راغب النجار

              البديل لموقف العالم من قضية التقدم العلمي والتقني المعاصر

              من بديهيات المنطق السوي أن التقدم في مجال العلوم والتقنية هـو من ضرورات الوجود الإنساني على الأرض، ومن ثم فإن موقف الرفض الذي يقفه بعض مثقفي العصر من هـذا التقدم يعتبر – على نبل دوافعه – موقفا سلبيا هـدميا معوقا، لا يقره العقل، ولا يقبله منطق الحياة.

              وفي نفس الوقت فإن تلك البديهيات ذاتها تحرم استخدام معطيات العلوم وتطبيقاتها، والتقنيات على تعدد أساليبها للإفساد في الأرض، واستنزاف ثرواتها، وتلويث بيئاتها بمختلف النشاطات التنموية والصناعية المسرفة، والسياسات والممارسات غير الأخلاقية التي تسود عالم اليوم من أجل هـيمنة الدول الكبرى بما تنتجه من آلة الحرب، وما تفرضه على الدول النامية من ابتزاز [ ص: 69 ] لثرواتها الطبيعية، واستغلال في معاملاتها التجارية معها خاصة فيما يتعلق ببيع السلاح أو بعض الأجهزة التقنية لها.

              وهنا يتضح لنا البديل المطلوب هـو: تطور علمي وتقني يصاحبه التزام أخلاقي، يكون الضابط لعدم استخدام معطيات العلوم والتقنية في أعمال الهدم التي يعاني منها عالمنا المعاصر.

              وهنا يبرز التساؤل: أي التزام أخلاقي وأية أخلاق تقدر على ذلك؟ هـل هـي أخلاق المصلحة الشخصية، والقيم المادية التي ابتدعها الإنسان إشباعا لأنانيته وأطماعه وتطلعاته التي لا حدود لها؟ أم هـي الوفاء لقيم كبرى أساسها الحق المطلق، والعدل المنصف، التسامح المؤثر، والعفو الجميل، والرفق الحنون، وحب الخير على مختلف ضروبه، وحب الجمال في الهيئة والنطق، وغيرها من القيم الأخلاقية التي تعين الإنسان على الانطلاق من قيود ذاتيته وأنانيته وأطماعه.

              والجواب بلا شك في جانب الاختيار الأخير، فلم يعد دور العلوم والتقنية قاصرا على إشباع رغبات العلماء والباحثين، أو على تحقيق أكبر عائد مادي لهم وللشركات المطبقة لأفكارهم؛ لأن للتقدم العلمي بعدا إنسانيا يهتم بحل مشاكل الإنسان، خاصة في المجتمعات التي تعاني من مشاكل عديدة في مختلف مناحي الحياة، ولكن هـل يستطيع الإنسان أن يضع لنفسه قواعد لتلك القيم المطلقة دون تحيز؟

              والجواب قطعا بالنفي؛ وذلك لأن الإنسان بطبيعته محدود بحدود قدرات حسه وعقله ومكانه وزمانه، وهو فوق ذلك مخلوق أناني بطبيعته، تغلب عليه الأثرة الشخصية وحب الذات، فإذا لم يجد من ضروب التربية السليمة ما يمكن أن يخرجه من دائرة ذاته فإنه يصبح عابدا لتلك الذات، مسخرا لخدمة أنانيتها مما قد يدفعه إلى تجاهل أبسط قواعد المنطق السوي وبديهياته، ومن ثم فإنه لا يجد حرجا في ارتكاب أي جرم (ما دام بعيدا عن طائلة العقاب) من مثل: استخدام العلوم وتطبيقاتها في خدمة أنانيته وأطماعه ولو كان في ذلك خراب [ ص: 70 ] العالم من حوله وتدمير مجتمعاته.

              والإنسان بطبيعته أيضا مخلوق ذو إرادة حرة، وهذه الإرادة إذا لم يحكمها من الداخل ضمير حي فلا سبيل لكل القوانين الوضعية إلى تنظيم سلوكها. وهذا الضمير لا يمكن أن يكون حيا إذا لم يفهم صاحبه حقيقة وجوده في هـذه الدنيا، ورسالته فيها، وكيفية تحقيقه لتلك الرسالة، ومصيره من بعد هـذه الحياة، وكلها من القضايا الغيبية التي لا تخضع لتقدير الإنسان، ومن هـنا فهو محتاج لخالق عظيم أوجده على هـذه الأرض عبدا مطالبا بعبادة الله كما أمر، وبعمارة الحياة على الأرض قدر الاستطاعة، لفترة محددة هـي رحلة لحياة أخرى دائمة، وأن هـذه الحياة الدنيا هـي فترة اختبار على أساس من نتيجته يكون مصير الإنسان في الحياة الآخرة، ومن ثم فهو في هـذه الدنيا محصاة عليه أنفاسه وحركاته وسكناته، وأنه محاسب على كل عمل يعمله، وكل حركة يتحركها، وكل كلمة يتكلمها، وأنه مسئول عن كل لحظة يحياها، وكل علم يتعلمه، وكل مال يكسبه أو ينفقه. الإنسان إذا لم يؤمن بتفاصيل ذلك كله لا يمكن أن يفهم حقيقة رسالته في هـذه الحياة، ومن ثم لا يمكن أن يكون إنسانا ذا ضمير حي، يقيم من نفسه على نفسه رقيبا، يحاسبها قبل أن تحاسب، ويزن لها أعمالها قبل أن توزن عليها.

              وعلى ذلك فالإنسان محتاج في وجوده إلى إيمان بالله، وهذا الإيمان على الرغم من وجوده داخل الجبلة الإنسانية الأولى حين خلقها الله، لا يمكن أن يترسخ دون بيان مفصل من الله. وهذا البيان لا يمكن أن يداخله عمل بشري؛ لأن العمل البشري من صفاته النقص، والإيمان بالله صورة من صور الكمال. وهذا البيان الإلهي ظل يتتابع للناس من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم حتى تكامل في رسالته التي هـي آخر الرسالات السماوية وأتمها وأكملها، على حين أن جميع الرسالات السابقة قد ضيعت أو بدلت وحرفت وغيرت، وبقيت الرسالة المحمدية محفوظة بحفظ الله نورا وهداية للإنسانية [ ص: 71 ] جمعاء، على اختلاف ألوانها ولهجاتها ومناطق معيشتها. ومن هـنا فإن البديل الحقيقي للحيرة التي يقع فيها عالم حيال قضية التقدم العلمي والتقني هـو التقدم العلمي والتقني في ظل من الإيمان الصحيح بالله، أو بلفظ آخر هـو التقدم العلمي والتقني بالمفهوم الإسلامي الشامل.

              التالي السابق


              الخدمات العلمية