الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

الإعـلان من منظـور إسلامي

الدكتور / أحمد عيساوي

(6) مبدأ مشروعية الأهداف والغايات

يسعى الإعلان الغربي -عبر نشاطاته المختلفة- إلى التأثير في جمهور المستهلكين الحقيقيين والمرتقبين بهدف الإقبال على سلعه، وخدماته، وتسهيلاته، ومنشآته التي يعلن عنها، وذلك باستخداماته لطرق وفنيات شتى، وعلى رأسها طريقة تشخيص وتضخيم عيوب السلع والخدمات الأخرى، وإبراز مزايا ما يعلن عنه من سلع وخدمات، مستعينا بحيل إخراجية سمعية وبصرية، تخلق بطرق الاستنتاج الضمني لدى جمهور المستهلكين حالة من الخداع والإيهام وحسن الظن بمزايا ما يعلن عنه من سلع وخدمات، وإبراز عيوب ما تعلن عنه إعلانات الوكالات الأخرى.

ويعد هذ الأسلوب الإعلاني أحد طرق الإعلان الغربي والعربي الحالي محليا وعالميا، وهو -في شكله ومضمونه- يتنافى مع فلسفة ومبادئ الإعلان الإسلامي، الذي يجب عليه أن يتوجه بالأساس إلى مقاصد شرعية معينة، وأهداف إعلانية ودعوية واضحة، ومؤصلة شرعا، من حيث المنطلق، والممارسة، والوسيلة، والغاية، لأن الدين الإسلامي يأمر المسلمين أن يتعاملوا ويتفاعلوا وفق مبدأ المقصدية الشرعية المقدس، الذي حددته التعاليم القرآنية في العديد من المواضع،

منها قوله تعالى: ( واقصد في مشيك ) (لقمان:19) .

إن من أوكد مبادئ الإعلان الإسلامي، التوجه المقصدي المباشر [ ص: 95 ] للتعريف بالسلع، أو الخدمات، التي يعلن عنها، وتزويد الجمهور المسـلم وغير المسـلم بالمعـلومات الإيجابية والحقيـقية فقـط، وليـس من مقاصده الرئيسة أن يثير لدى الجمهور بعض الشكوك والظنون حول مضامين الإعلانات الأخرى، مما يدفعهم إلى سوء الظن بها، وبالتالي التراجع عن الإقبال عليها واقتنائها إلا في حدود متطلبات النهي عن المنكر.

إن الإعلان الإسلامي في حقيقته المبدئية -وهكذا يجب أن يكون- توضيح وإشهار وإيضاح، لا تشويه وظن وقدح في إعلانات الآخرين. ونجاحه لدى الجمهور المسلم وغير المسلم يكون بمدى صلاحية وفائدة وجودة ما يعلن عنه من سلع، وخدمات، وتسهيلات، ومنشآت، وليس بمقدار تضخيم حجم العيوب للإعلانات الأخرى. وكذلك ليس بنوعية القذف الذي يكيله لوكالات الإعلان الأخرى.

إن السلع والخدمات والتسهيلات والمنشآت الجيدة، لا ينقص من قدرها ومكانتها سيل التشويهات التي تكيلها لها الإعلانات التي تعلن عن المنتوجات ناقصة الجودة. بل ربما تتأثر بعض الشيء في بداية توجـه سيـل الحمـلات العدائية التشويـهية ضـدها، ولكنها سرعـان ما تسترجع مكانتها، وتقف قوية في مواجهة الإعلانات المضادة، وكثيرا ما يتجه الجمهور إليها بفعل الدعايات الإعلانية التشويهية المضادة لها. [ ص: 96 ]

إن الإعلان الإسلامي الذي ينطلق من فلسفة إعلانية إسلامية شرعية أصيلة، غير معني بتاتا بتشويه صورة ومضامين ورسائل ومقاصد الإعلانات الأخرى في مخيال الجمهور المستهلك -مهما كانت الدوافع، والمنطلقات، والغايات- اللهم إلا أن تكون من المحرمات، أو المحظورات، أو المنهيات، أو المكروهات كراهة تحريم من المنهي عنها شرعا، والتي تسعى الإعلانات الأخرى لتزيينها وترويجها وتحبيبها للفرد المسلم، ودفعه للإقبال عليها بهدف إفساده وإفساد المجتمع، وتقويض قيم الأمة الإسلامية الحضارية الأصيلة، وهنا يتصدى لها الإعلان الإسلامي التحذيري، والتنبيهي، والتوجيهي، ويفضح حقيقتها، ويظهر عيوبها، ومضارها.

إن الإعلان الإسلامي في ظل الفلسفة الإعلانية الإسلامية، مطالب بتعليم ونصح ودعوة الناس جميعا أثناء قيامه بنشاطه الإعلاني مع السلع والخدمات.. كما هو مطالب بزرع الأفكار، والقيم النبيلة، والمبادئ الإسلامية الفاضلة، وغرس الصور الجميلة عن تعاليم الدين الإسلامي السمحة.

وهو مطالب أيضا بالتأثير الإيجابي في جمهور المستهلكين، المسلمين وغير المسلمين، بغية جلبهم للإقبال على ما يعلن عنه، ولفت انتباههم إليه -بالطرق المشروعة- لجودته العالية في المنتج، وأصالته الراقية في الشكل والمضمون. وبهذا يكون قد حقق مبدأ المقصدية [ ص: 97 ] الشرعية،

عاملا بقوله تعالى: ( واقصد في مشيك ) (لقمان:19) .

لأن المشي هنا لفظ من ألفاظ العموم، ولا يعني به السير المقصدي على القدمين فحسب، بل هو مشي مقصدي هدفي في عالم السياسة، ومشي مقصدي هدفي في رحاب المجتمع، ومشي مقصدي هدفي في آفاق الاقتصاد، ومشي مقصدي هدفي في مجال القانون، ومشي مقصدي هدفي في ميادين الأخلاق، ومشي مقصدي هدفي منهجي، ومشي مقصدي هدفي في مجالات علوم الإعلام والإعلان.

ولا تلزمه الفلسفة الإعلانية الإسلامية الاشتغال بعيوب الإعلانات الأخرى اللهم إلا ما كان منها متوجها لإفساد الفرد والمجتمعات الإسلامية.

وبمبدإ الهدفية والمقصدية المشروعة للإعلان الإسلامي، يكون الإعلان قد استرشد غاية ومقصدا، بعد أن استرشد منطلقا، ومضمونا، ورسالة، ورموزا. وبه تكتمل عملية التقعيد التنظيري الشامل والعام لعملية الاتصال الإعلاني: [مشروعية الرسالة. مشروعية الرموز. مشروعية المقصد].

التالي السابق


الخدمات العلمية