الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
المقدمة

أجمع علماء السلف والخلف على أن أحكام الشريعة الإسلامية شرعها الله تبارك وتعالى لتحقيق مصالح الدين والدنيا، في الآخرة والأولى، وأن سعادة الإنسانية مرهونة بمدى فهم أحكامها ظاهرا وباطنا، والتجاوب مع الفطرة التي فطر الناس عليها، في ظل العبودية لله رب العالمين، في كل مناحي الحياة؛ الروحية والفكـرية والمادية. ذلك أن الشريعـة استوعبت بنصوصها ومعانيها كل قضايا الإنسان وحاجاته الضرورية والحاجية والتحسينية؛ الفردية منها والاجتماعية والعالمية.

فسلامة الفهم ابتداء، وحسن التجاوب انتهاء، هـما: العاصم من كل غلو فكري واعوجاج فطري، وانحراف سلوكي، مؤذن بانحطاط الإنسانية نحو المزيد من مظاهر الترف الفكري والمادي، والصراع الجدلي القاتل للقيم والمعاني، والتغالب الشهواني المثير للغرائز البهيمية. [ ص: 31 ] ولما كانت الأحكام الشرعية تستنبط من ظواهر النصوص، إن كانت ظاهرة صريحة الدلالة، أو تؤخذ من معاني النصوص وبواطنها إن كانت غير ظاهرة وخفية؛ لذا كان بعضها ظاهرا معقولا بأدنى تأمل وتفكر، وبعضها خفيا غير مدرك إلا بمزيد من الجهد والنظر فيما وراء النصوص؛ لاستنباط المعنى المراد شرعا.

هذا الاختلاف في الوضوح والخفاء أدى إلى اختلاف أوجه النظر في تحديد وضبط المعاني المرادة:

- فمنهم من تمسك بالظواهر، وحصر المعاني فيما دلت عليه النصوص ظاهرا من دون النظر إلى المعاني الخفية، وهؤلاء هـم الظاهرية .

- ومنهم من طرح الظواهر جانبا، وتمسك بالمعاني ولو خالفت الظواهر، وهؤلاء هـم الباطنية .

- ومنهم من تمسك بالظواهر والمعاني معا، إلا أنهم أفرطوا في المعاني إلى حد مخالفة النصوص، وتقديم المعاني المعقولة على النص، وهؤلاء هـم العقلانيون .

- ومنهم من جمع بين الظواهر والمعني في اعتدال، وألغوا المعاني المعقولة إذا خالفت النص، وهؤلاء هـم الوسطيون من الجمهور . [ ص: 32 ] وقد أشار الشاطبي باختصار إلى هـذه الاتجاهات في فهم النصوص واستنباط المعاني منها، حيث قسمهم إلى: «الظاهرية»، و «الباطنية»، و «المتعمقون في القياس»، و «العلماء الراسخون» [1] .

وعليه فإن إشكالية البحث تكمن في التجاذب السابق بين الظاهر والمعنى، الذي برز بشكل مبكر في تاريخ الفكر الإسلامي، وأدى إلى ظهور تلك الاتجاهات المتناقضة، مما كان له أثر سلبي في فهم النصوص واستنباط المعاني أدى في الكثير من الأحيان إلى استخدام النص الديني مطية لخدمة أهداف وأغراض مذهبية، ونصرة اتجاهات فكرية، متذرعة تارة بحفظ الدين من الزيادة والنقصان، وأنه استوعب المصلحة الإنسانية عبر الزمان والمكان، ومن ثم فليس هـناك حاجة لاجتهاد جديد خارج حدود الظاهر، وتارة أخرى مدعية قصور النص عن استيعاب الوقائع المستجدة، وأنه نـزل لزمان غير زماننا، مما تدعو الحاجة والمصلحة إلى ترك النصوص وتجاوزها، والبحث عن فضاءات اجتهادية خارج الوحي؛ [ ص: 33 ] لتلبية حاجات الناس وقضاياهم، ولو عارضت النصوص في حين استمسكت طائفة أخرى بالنص لكن مع التعسف في تأويله ابتغاء هـدم الشريعة والقضاء على أركانها ومقوماتها.

ومع مرور الزمن بقي استخدام النص الديني [2] والاتكاء عليه يشكل أكبر قضية للحلبة والصراع في مجال العقيدة والشريعة على السواء، تتصارع عليها أطراف متباينة الأغراض والنوايا، من الدعوى إلى الأصالة ومكافحة المسخ والتغريب الذي يطال مقدساتنا الدينية، إلى التجديد والمعاصرة والتقدم ومواكبة الحضارة الحديثة التي لم تعد تتجاوب مع الموروث الفكري والديني للأمة.

وبقي الصراع بين اللفظ والمعنى يشكل ميدانا فسيحا للنـزال والجدال، في غياب الاحتكام إلى ضوابط مرجعية تضبط العلاقة بينهما بحيث لا يخل أحدهما بالآخر.

ولعل الشاطبي وابن القيم رحمهما الله كانا من السباقين إلى التنبيه من خطورة الغلو في اتباع الظاهر إلى درجة طرح المعاني، وكـذا الغلو [ ص: 34 ] في التأويل إلى حد تجاوز الظاهر، وأشارا إلى العديد من الضوابط المرجعية التي تضبط العلاقة بينهما. إن الاتجاهات الثلاث: «الباطنية والظاهريـة والعقلانية»، وإن ظهرت منذ القديم، إلا أنها ما زالت قائمة ومستمرة إلى يوم الناس هـذا، تحت ألوان وأغطية مختلفة، لكنها متحدة في الأغـراض والأهداف، وساعيـة إلى تحقيق مآربها بكل الوسائل المتاحة. فقد ظهرت في العصر الحديث نزعتان متطرفتان؛ إحداهما: تدعو إلى التمسك بالنصوص والجمود عليها من دون زيادة أو نقصان، وحصرت الاجتهاد فيما دل عليه الظـاهر، وبذلك فرضـت القديم، ورفضت الأخذ بالجديد، وهؤلاء هـم الظاهريـة الجدد [3] . والثانية: تدعو إلى إلغاء الشريعـة في مجال الحكم والقضاء والتشريع، بدعوى تجاوز الزمن لها، وعدم تلائمها مع (العصرنة) والتقدم الحاصل في العلوم والمعارف، وهؤلاء هـم الباطنية الجدد [4] ، الذين حصروا الدين في العقائد والعبادات. [ ص: 35 ] يقول الدكتور عبد المجيد النجار : «وليست الظاهرية والباطنية نـزعتين تاريخيتين آلتا إلى الانقراض، بل هـما متجددتان في أثواب مختلفة عبر العصور؛ وفي عصرنا هـذا بعض التحققات لهما تظهر، خاصة فيما نشاهده عند بعضهم من جمود على ظـواهر النصوص عند معالجة النوازل المستجدة لاستنباط حكم فقهي ينطبق عليها؛ إذ لا ينبغي أن لا يستنبط ذلك الحـكم على مقصـد لم تدل عليه ظواهر النصوص، ويكاد هـؤلاء يئولون بهذا الموقف إلى أن ينفوا عن الدين قدرته على الإيفاء بمصالح الإنسان في جميع العصور والأقطار. كما تظهر أيضا فيما يذهب إليه بعضهم نقيضا لذلك من توهم مقاصـد تشتق من معان لا صلة لها بالنصوص، فتبنى عليها أحكام تئول إلى إهدار ما هـو معلوم من الديـن بالضرورة، وتعـود بالبطلان على ما دلت عليه النصـوص بوجه القطع، وليست الدعوة المبدئية إلى تعطيل الحـدود وإباحـة الربا والمساواة في الميراث وغير ذلك، مما هـو في مقامها اعتبارا لمقصد (التقدمية) و (مساوقة روح العصر) إلا تحقيقا للنـزعة الباطنية في الكشف عن مقاصد الشريعة» [5] . [ ص: 36 ] أما النـزعة العقلانية التي ظهرت قديما على يد الإمام الطوفي فما تزال قائمة ومتجددة أيضا، تحمل لواء الدعوة إلى تقديم العقل على النص [6] في كل ما يبدو من التعارض بينهما، متهمين الشريعة بالقصور والعجز عن مواكبة العصر، فيما يستجد من القضايا والنوازل والأحداث، يقول النجار : «ظهرت منذ القديم نزعة تنحو منحى المبالغـة في دور الواقع في فهم الدين، حتى اتخذ من أعرافه وأوضاعه التي يظن أن فيها مصلحة للناس سلطان على الأحكام الشرعية المنصوص عليها، فأصبح الدين يفهم مما يجري به الواقع، وإن يكن مخالفا لما جاءت به نصوص الوحي، وممن وقع في هـذه المبالغة في تحكيم الواقع في فهم الدين ( الطوفي ) الذي قال بتقديم المصلحة الواقعية على النص في المعاملات؛ سواء كان ظنيا أم قطعيا. وفي هـذا العهد نشطت هـذه النـزعة المحكمة للواقع، يدفعها الانهزام الحضاري الذي يعيشه المسلمون وينبهرون فيه بالنمط الواقع للحضارة الغربية» [7] .

من هـنا تبدو الحاجة ماسة إلى ما يأتي: [ ص: 37 ]

أولا: نقد تلك النزعات وإبطال دعاواها بالحجج والبراهين العلمية، وكشف أضرارها ومفاسدها، سواء في تحميل النصوص ما لا قبل لها به، بدعوى استيعـاب النص لكل المستجدات، وعدم الحاجـة إلى القياس والاستصلاح والاستحسان، أو في لي النصوص وتأويلها تأويلا باطنيا بعيدا عن روح التشريع ومقاصده، أو في طرح النصوص جانبا، وتقديم المصالح الواقعية بدعوى العجز والقصور.

ثانيا: لما كانت مقاصد النصوص عبارة عن معان مصلحية، تفهم من ظاهر النص مباشرة أو من معناه، كان لا بد من معرفة حدود الظاهر، وحدود المعنى، والعلاقة بين الظاهر والمعنى؛ لذا لا بد من معرفة الضوابط التي تضبط العلاقة بين اللفظ والمعنى، وتتلخص في الآتي:

- ضبط حدود الظاهر، وهو الشكل الخارجي للنص؛ بمعرفة الوسائل الموصلة إلى فهمه من خلال المرجعية اللغوية للنص، والفهم الغالب عند العرب وجمهورهم، وترك الفهوم الشاذة.

- ضبط المعنى المراد من النص في إطار التمييز بين المدلول اللغوي والشرعي، وتقديم المعنى الشرعي الذي رافق نزول الوحي على غيره من المصطلحات العرفية الحادثة والمتأخرة. [ ص: 38 ] - التفريق بين المعاني الحقيقية والمجازية التي يحتملها النص، فلا يحمل على مجازه إلا إذا تعذر الحمل على حقيقته، ويجب حمله على المجاز عند تعذر الحمل على الحقيقة.

- مراعاة القرائن المحتفة بالنص أثناء البحث عن المعنى؛ كقرائن المجاز، وقرائن السياق، وورود الخطاب.

- التفريق بين مقامات الخطاب؛ كالمقام المقالي، والمقام الحالي.

- التمييز بين المقامات الحالية، وتقديم مقام التشريع على غيره من المقامات؛ كمقام التقديس والترغيب والترهيب والتقوى وغيرها.

ثالثا: معرفة المسالك الموصلة إلى إثبات المعاني المقصودة شرعا من غيرها؛ وهي نوعان: مسالك قطعية لإثبات المعاني الكلية، ومسالك ظنية لإثبات المعاني الجزئية.

هذا هـو المنهج الذي أمه أكثر العلماء الراسخين، كما سماهم الشاطبي ، وهو منهج يتسم بالمحافظة على ظواهر النصوص ومعانيها معا، والجمع بينهما في اعتدال، لا يخل بالمعنى بدعوى استيعاب النص لكل حاجات الإنسان، ولا يخل بالظاهر بدعوى عجز وقصور النص عن استيعابها. [ ص: 39 ] إن وضع قانون يضبط العلاقة بين المعنى والظاهر، أضحى أكثر من ضرورة، يكون عونا للدارسين والباحثين في الشريعة، في ظل النزاعات المعاصرة حول النص الديني، والهجمات المتكررة التي ما فتئت تكيل للوحـي المقدس شتى ألوان التهم، ومحاولات التأويل الباطني المحرف للنصوص، إلى درجة إلغاء الشريعة كما ذهب إليه « أركون » وغيره من دعاة فصل النص عن مصدره الرباني والتعامل معه على أنه نص بشري، إذ يقول: «نلاحظ أن الخطاب القرآني قد صيغ -أو ركب- لغويا بصفته جهدا ذاتيا مبذولا لرفع نفسه إلى مستوى كلمة الله الموحى بها» [8] .

بل ذهب « صادق بلعيد » إلى أن الآيات التشريعية قد أعدت للمجتمع القبلي، وليس للأنظمة القانونية الحديثة، وأن الغرض الرئيس من نـزول القرآن هـو التثقيف الروحي للجنس البشري، وليس تأسيس نظام سياسي [9] . [ ص: 40 ] ومن هـنا فإن حراسة النص وحمايته يشكلان في العصر الراهن أكبر ضمانة لاستمرارية عطائه الحضاري، ومساهمته في النهوض الفكري والاجتماعي للأمة، وعصمتها من الانحلال والذوبان [10] .

وأود أن أشير هـنا إلى أن الضوابط التي سيكشف عنها هـذا البحث ليست هـي ضوابط المصلحة المرسلة التي كتب فيها علماء معاصرون، ولا ضوابـط الاجتهاد المقاصدي، بل هـي أدق من ذلك وأعمق؛ إذ هـي تبحث عن الضوابط المحددة للظاهر وللمعنى قبل الوصول إلى إدراك المقصد الشرعي من النص.

هذا ما دعاني إلى إنجاز هـذا البحث راجيا بذلك خدمة الشريعة الغراء كواجب يفرضه علي ديني وعقيدتي، آملا كذلك أن يسد العجز الحاصل في الدراسات المقاصدية النوعية التي تتسم بالعمق والتأصيل.

وقد رجعت في إعداده إلى أمهات المصادر والمراجع المشهود لأصحابها بالكفاءة، كما قمت بإسناد الأقوال إلى أصحابها وإحالتها في الهامش لتمكين القارئ من الرجوح إليها عند الحاجة، وقمت بتخريج الآيات والأحاديث النبوية. [ ص: 41 ] وقد سلكت المنهج العلمي في النقد والتحليل والترجيح، بعيدا عن التجريح والتعصب والتحيز. وقسمت البحث إلى مبحثين وخاتمة:

- المبحث الأول: في نقد النـزعات المتطرفة في فهم النص وكشف مفاسدها.

- المبحث الثاني: في بيان الضوابط المحددة لعلاقة اللفظ بالمعنى.

والله الموفق. [ ص: 42 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية