الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1666 [ ص: 165 ] حديث خامس عشر لأبي الزناد

مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح ، فإنما لها ما قدر لها .

التالي السابق


في هذا الخبر من الفقه أنه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يطلق ضرتها لتنفرد به ، فإنما لها ما سبق به القدر عليها ، لا ينقصها طلاق ضرتها شيئا مما جرى به القدر لها ولا يزيدها .

وقال الأخفش : كأنه يريد أن تفرغ صحفة تلك من خير الزوج ، وتأخذه هي وحدها .

قال أبو عمر : وهذا الحديث من أحسن أحاديث القدر عند أهل العلم والسنة ، وفيه أن المرء لا يناله إلا ما قدر له .

[ ص: 166 ] قال الله عز وجل ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) والأمر في هذا واضح لمن هداه الله ، والحمد لله .

وفقه هذا الحديث أنه لا يجوز لامرأة ولا لوليها أن يشترط في عقد نكاحها طلاق غيرها ، ولهذا الحديث وشبهه استدل جماعة من العلماء بأن شرط المرأة على الرجل عند عقد نكاحها أنها إنما تنكحه على أن كل من يتزوجها عليها من النساء فهي طالق شرط باطل ، وعقد نكاحها على ذلك فاسد يفسخ قبل الدخول ; لأنه شرط فاسد دخل في الصداق المستحل به الفرج ففسد ; لأنه طابق النهي .

ومن أهل العلم من يرى الشرط باطلا في ذلك كله والنكاح ثابت صحيح ، وهذا هو الوجه المختار ، وعليه أكثر علماء الحجاز ، وهم مع ذلك يكرهونها ، ويكرهون عقد النكاح عليها ، وحجتهم حديث هذا الباب وما كان مثله ، وحديث عائشة في قصة بريرة يقتضي في مثل هذا جواز العقود وبطلان الشروط ، وهو أولى ما اعتمد عليه في هذا الباب ، ومن أراد أن يصح له هذا الشرط المكروه عند أصحابنا عقده بيمين ، فيلزمه الحنث [ ص: 167 ] في تلك اليمين بالطلاق أو بما حلف به ، وليس من أفعال الأبرار ، ولا من مناكح السلف الأخيار استباحة النكاح بالأيمان المكروهة ومخالفة السنة .

حدثنا محمد بن عبد الملك ، قال : حدثنا ابن الأعرابي ، قال : حدثنا سعدان بن نصر ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن عباد بن عبد الله الأسدي ، عن علي رضي الله عنه ، قال : شرط الله قبل شرطها .

قال أبو عمر : يقول إن الله قد أباح ما ترومون المنع منه .

ومنهم من يرى أن الشرط صحيح لحديث عقبة بن عامر ، عن النبي عليه السلام أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج حدثناه عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، أخبرنا أبو داود ، حدثنا عيسى بن حماد المصري ، حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم من الفروج وهذا [ ص: 168 ] حديث إن كان صحيحا ، فإن معناه والله أعلم ، أحق الشروط أن يوفى به من الشروط الجائزة ما استحللت به الفروج ، فهو أحق ما وفى به المرء وأولى ما وقف عنده ، والله أعلم .

وقد روى الشاميون في هذا عن عمر ما حدثناه محمد بن عبد الملك ، قال : حدثنا ابن الأعرابي ، قال : حدثنا سعدان بن نصر ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن يزيد بن جابر ، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر ، عن عبد الرحمن بن غنم ، قال : شهدت عمر يسأل عنه ، فقال : لها دارها ، فإن مقاطع الحقوق عند الشروط ، قال سعدان : وحدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن أبي الشعثاء ، قال : هو بما استحل من فرجها .

قال أبو عمر : معنى حديث عمر وقول أبي الشعثاء : هو فيمن نكح امرأة وشرط لها أن لا يخرجها من دارها ، ونحو هذا مذهب سعد بن أبي وقاص أيضا .

حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف ، حدثنا الحسين بن أحمد بن بزاذ ، حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي ، حدثنا ابن أبي الدنيا ، حدثنا العباس بن طالب ، حدثنا أبو إسحاق الطالقاني ، عن ابن المبارك ، عن داود بن قيس ، قال : حدثتني أمي [ ص: 169 ] - وكانت مولاة نافع بن عتبة بن أبي وقاص - قالت : رأيت سعدا زوج ابنته رجلا من أهل الشام ، وشرط لها أن لا يخرجها ، فأرادت أن تخرج معه فنهاها سعد وكره خروجها ، فأبت إلا أن تخرج ، فقال سعد : اللهم لا تبلغها ما تريد ، فأدركها الموت في الطريق فقالت :


تذكرت من يبكي علي فلم أجد من الناس إلا أعبدي وولائدي

وإلى هذا المعنى ذهب الليث بن سعد ، وطائفة إلى أن الشرط لازم ، والوجه المختار عندنا ما ذكرنا ، وقد روي عن عمر بن الخطاب من رواية المدنيين خلاف ما تقدم عنه من رواية الشاميين ، حدثنا محمد بن عبد الله ، حدثنا محمد بن معاوية ، حدثنا الفضل بن الحباب أبو خليفة ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا الليث بن سعد ، حدثنا كثير بن فرقد ، عن عبيد بن السباق ، أن رجلا شرط عليه في امرأته عند عقدة النكاح ألا يخرجها من دارها ، ولم يذكر عتقا ولا طلاقا ، فأراد بها بلدا آخر ، فخاصمته إلى عمر بن الخطاب ، فقضى عمر أن تتبع زوجها ، وأنه لا شرط لها ، قال : وحدثنا الليث ، حدثنا توبة بن النمر الحضرمي أن عمر بن عبد العزيز كتب في ذلك بمثل ذلك .

[ ص: 170 ] قال أبو عمر : قد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا وقال كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل يعني في حكم الله كما قال : ( كتاب الله عليكم ) يعني حكمه وقضاءه ، فكل شرط ليس في حكم الله وحكم رسوله جوازه فهو باطل ، وهذا أصح ما في هذا الباب ، والله الموفق للصواب .

والكلام في شروط النكاح ، وما يلزم منها وما لا يلزم عند العلماء ، موضع غير هذا ، وأما قوله " لتستفرغ صحفتها " فكلام عربي مجاز ، ومعناه لتنفرد بزوجها ، فاعلمه لا وجه له غيره .




الخدمات العلمية