الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
848 [ ص: 296 ] حديث موفي ثلاثين لأبي الزناد

مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يسوق بدنة ، فقال : اركبها ، فقال : يا رسول الله إنها بدنة ، فقال : اركبها ، فقال : يا رسول الله إنها بدنة ، فقال : اركبها وويلك في الثانية أو الثالثة .

التالي السابق


هكذا يرويه أكثر الرواة عن مالك في الموطأ في الثانية أو في الثالثة ، وممن قال ذلك : عتيق بن يعقوب الزبيري وقتيبة ، وقال فيه ابن عبد الحكم : في الثالثة أو في الرابعة .

حدثناه خلف ، حدثنا ابن الورد ، حدثنا يوسف بن يزيد ، حدثنا ابن عبد الحكم ، أخبرنا مالك ، فذكره بإسناده هكذا .

قال مالك في هذا الحديث : عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، وخالفه ابن عيينة فقال فيه : عن أبي الزناد ، عن موسى بن أبي عثمان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .

حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد ، قال : حدثنا أحمد بن مطرف ، قال : حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي ، قال : حدثنا [ ص: 297 ] إسحاق بن إسماعيل العثماني الأيلي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزناد ، عن موسى بن أبي عثمان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل يسوق بدنة ، فقال : اركبها ، فقال : إنها بدنة يا رسول الله ، فقال : ويلك اركبها .

اختلف العلماء في ركوب الهدي الواجب والتطوع ، فذهب أهل الظاهر إلى أن ركوبه جائز من ضرورة ، وبعضهم أوجب ذلك .

وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنه لا بأس بركوب الهدي على كل حال أيضا على ظاهر هذا الحديث ، والذي ذهب إليه مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأكثر الفقهاء كراهية ركوبه من غير ضرورة ، فكره مالك ركوب الهدي من غير ضرورة ، وكذلك كره شرب لبن البدنة ، وإن كان بعد ري فصيلها ، فإن فعل شيئا من ذلك كله فلا شيء عليه .

وقال أبو حنيفة والشافعي : إن نقصها الركوب أو شرب لبنها فعليه قيمة ما شرب من لبنها وقيمة ما نقصها الركوب .

وحجة من ذهب هذا المذهب أنه ما خرج لله فغير جائز الرجوع في شيء منه ولا الانتفاع به ، فإن اضطر إلى ذلك جاز له لحديث جابر في ذلك ، حدثناه عبد الله بن محمد [ ص: 298 ] قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، قال : أخبرنا أبو الزبير ، قال : سألت جابر بن عبد الله عن ركوب الهدي ، فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : اركبها بالمعروف إذا لجأت إليها حتى تجد ظهرا .

وأما قوله : ويلك ، فمخرجه الدعاء عليه إذ أبى من ركوبها في أول مرة ، وقال له : إنها بدنة ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنها بدنة ، فكأنه قال له : الويل لك في مراجعتك إياي فيما لا تعرف ، والله أعلم .

وكان الأصمعي يقول : ويل كلمة عذاب ، وويح كلمة رحمة .




الخدمات العلمية