الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        128 103 - مالك ، عن نافع ؛ أن عبيد بن عبد الله بن عمر ، أرسل إلى عائشة يسألها : هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض ؟ فقالت : لتشد إزارها على أسفلها ، ثم يباشرها إن شاء .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        3313 - قال أبو عمر : لا أجد بعد السنة أقعد بهذا المعنى من عائشة ، فكانت تفتي بمعنى ما وعت عن النبي - عليه السلام - في ذلك .

                                                                                                                        [ ص: 183 ] 3314 - وقد ذكرنا في التمهيد حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس : أن اليهود كانت إذا حاضت منهم امرأة أخرجوها . ولم يؤاكلوها . ولم يشاربوها ، ولم يجامعوها في البيت . فسئل رسول الله عن ذلك . فأنزل الله " ويسألونك عن المحيض قل هو أذى " ( البقرة : 222 ) . فقال رسول الله : " جامعوهن في البيوت . واصنعوا كل شيء إلا النكاح " .

                                                                                                                        3315 - فبان في هذا الحديث المعنى الذي فيه نزلت الآية ومراد الله بها على لسان نبيه عليه السلام .

                                                                                                                        3316 - وأما قول الفقهاء في مباشرة الحائض وما يستباح منها - فقال مالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف : له منها ما فوق الإزار ، وهو قول سالم بن عبد الله ، والقاسم بن محمد .

                                                                                                                        3317 - وحجتهم ظواهر الآثار عن عائشة ، وميمونة ، وأم سلمة عن النبي - عليه السلام - أنه كان يأمر إحداهن أن تشد إزارها ثم يباشرها .

                                                                                                                        [ ص: 184 ] 3318 - وقال سفيان الثوري ، ومحمد بن الحسن ، وبعض أصحاب الشافعي : يجتنب موضع الدم .

                                                                                                                        3319 - وممن روي عنه هذا المعنى ابن عباس ، ومسروق بن الأجدع ، وإبراهيم النخعي ، وعكرمة .

                                                                                                                        3320 - وهو قول داود بن علي .

                                                                                                                        3321 - ومن حجتهم حديث ثابت ، عن أنس ، عن النبي - عليه السلام - قوله : " اصنعوا كل شيء ما خلا النكاح " .

                                                                                                                        3322 - وفي رواية بعض رواته " ما خلا الجماع " .

                                                                                                                        3323 - وحديث الأعمش عن ثابت بن عبيد عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ناوليني الخمرة من المسجد . قلت : إني حائض . قال : إن [ ص: 185 ] حيضتك ليست في يدك " .

                                                                                                                        3324 - رواه أبو إسحاق السبيعي عن البهزي ، عن عائشة ، وقد ذكرنا هذه الأحاديث بأسانيدها في التمهيد .

                                                                                                                        3325 - وفيها دليل على أن كل عضو منها ليست فيه الحيضة فهو في الطهارة . بمعنى أنه يبقى على ما كان ذلك العضو عليه قبل الحيضة ودل على أن الحيض لا حكم له في غير موضعه الذي أمرنا بالاجتناب له من أجله .

                                                                                                                        3326 - وروى أيوب ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم ، عن مسروق ، قال : سألت عائشة : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قالت : كل شيء إلا الفرج .

                                                                                                                        3327 - وروى الليث : عن حكيم بن الأشج ، عن أبي مرة مولى عقيل ، عن حكيم بن عقال ، سألت عائشة : ما يحل لي من امرأتي إذا حاضت ؟ قالت : ما عدا فرجها .

                                                                                                                        3328 - وإذا ترتبت هذه الآثار مع حديث زيد بن أسلم في هذا الباب ، وحديث ربيعة ، والأحاديث عن أزواج النبي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمرهن أن تشد كل واحدة [ ص: 186 ] منهن عليها إزارها إذا حاضت ، ثم يباشرها - لم تتدافع ، وكان بعضها يعضد بعضا على ما تأولنا من قطع الذريعة في شد الإزار ؛ لئلا يتطرق إلى الموضع المحظور ، والله أعلم .

                                                                                                                        3329 - وقد ذكر أبو داود في السنن حديثا مسندا عن عائشة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها ، وهي حائض - : " اكشفي عن فخذيك فكشفت فوضع خده وصدره على فخذي وحنيت عليه حتى دفئ ، وكان قد أوجعه البرد " .

                                                                                                                        3330 - وهذا يبين لك ما قلناه ، وبالله توفيقنا .

                                                                                                                        3331 - واختلف الفقهاء في الذي يأتي امرأته وهي حائض :

                                                                                                                        3332 - فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : يستغفر الله ، ولا [ ص: 187 ] يعود ، ولا شيء عليه . من غرم .

                                                                                                                        3333 - وهو قول ربيعة ، ويحيى بن سعيد ، وبه قال داود .

                                                                                                                        3334 - وروي عن محمد بن الحسن أنه قال : يتصدق بنصف دينار . لحديث خصيف ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، عن النبي - عليه السلام - فإذا وقع على أهله وهي حائض فليتصدق بنصف دينار .

                                                                                                                        3335 - وقال أحمد بن حنبل : يتصدق بدينار ، أو بنصف دينار ، وقال أحمد ما أحسن حديث عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مقسم عن ابن عباس عن النبي - عليه السلام - في الذي يأتي امرأته وهي حائض : يتصدق بدينار أو بنصف دينار .

                                                                                                                        3336 - ورواه الثوري وشعبة وغيرهما عن الحكم بن عتبة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب .

                                                                                                                        3337 - وقال أبو داود : هي الرواية الصحيحة . وربما لم يرفعه شعبة .

                                                                                                                        3338 - وقال الطبري : أستحب له أن يتصدق بدينار ، أو بنصف دينار ، فإن لم يفعل فلا شيء عليه .

                                                                                                                        3339 - وهو قول الشافعي ببغداد ، ثم رجع عنه بمصر .

                                                                                                                        [ ص: 188 ] 3340 - وقالت فرقة من أهل الحديث : إن وطئ في الدم فعليه دينار . وإن وطئ في انقطاع الدم فعليه نصف دينار . لحديث علي بن الحكم البناني ، عن أبي الحسن الجزري ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، عن النبي - عليه السلام - بذلك . كذلك رواه ابن جريج ، عن علي بن الحكم ، عن مقسم عن ابن عباس .

                                                                                                                        3341 - وقال الأوزاعي : من وطئ امرأته وهي حائض يتصدق بخمسي دينار . ورواه عن يزيد بن أبي مالك ، عن عبد الحميد ، عن عبد الرحمن ، عن النبي - عليه السلام - .

                                                                                                                        3342 - قال أبو عمر : حجة من لم يوجب عليه إلا الاستغفار والتوبة - اضطراب هذا الحديث عن ابن عباس مرسلا ، والذمم على البراءة ، لا يجب أن يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه . وذلك معدوم في هذه المسألة .

                                                                                                                        3343 - واختلف الفقهاء أيضا في وطء الحائض بعد الطهر .

                                                                                                                        3344 - فقال مالك وأكثر أهل المدينة : إذا انقطع عنها الدم لم يجز وطؤها حتى تغتسل . وبه قال الشافعي والطبري ، ومحمد بن مسلمة .

                                                                                                                        3345 - وقال أبو يوسف ، وأبو حنيفة ، ومحمد : إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام كان له أن يطأها قبل الغسل ، فإن كان انقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل . أو يدخل عليها وقت صلاة .

                                                                                                                        [ ص: 189 ] 3346 - قال أبو عمر : هذا الحكم لا وجه له ، وقد حكموا للحائض بعد انقطاع دمها بحكم الحائض في العدة ، وقالوا : لزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل .

                                                                                                                        3347 - فعلى قياس قولهم هذا لا يجب أن توطأ حتى تغتسل ، وهو الصواب مع موافقة أهل الحجاز في ذلك .




                                                                                                                        الخدمات العلمية