الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ) : لما ذكر تعالى حال الكفار وكفرهم نعمته ، وجعلهم له أندادا ، وتهددهم أمر المؤمنين بلزوم الطاعة والتيقظ لأنفسهم ، وإلزام عمودي الإسلام : الصلاة والزكاة ، قبل مجيء يوم القيامة . ومعمول قل ، محذوف ، تقديره : أقيموا الصلاة يقيموا . ويقيموا : مجزوم على جواب الأمر ، وهذا قول : الأخفش ، والمازني . ورد بأنه لا يلزم من القول إن [ ص: 426 ] يقيموا ، ورد هذا الرد بأنه أمر المؤمنين بالإقامة لا الكافرين ، والمؤمنون متى أمرهم الرسول بشيء فعلوه لا محالة . قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون ( يقيموا ) جواب الأمر الذي يعطينا معناه قوله : ( قل ) وذلك أن تجعل ( قل ) في هذه الآية بمعنى بلغ وأد الشريعة يقيموا الصلاة ; انتهى . وهذا قريب مما قبله ، إلا أن في ما قبله معمول القول : أقيموا ، وفي هذه الشريعة على تقدير بلغ الشريعة . وذهب الكسائي والزجاج وجماعة إلى أن معمول ( قل ) هو قوله : يقيموا ، وهو أمر مجزوم بلام الأمر محذوفة على حد قول الشاعر :


محمـد تفـد نفسـك كـل نفـس



أنشده سيبويه إلا أنه قال : إن هذا لا يجوز إلا في الشعر . وقال الزمخشري في هذا القول : وإنما جاز حذف اللام لأن الأمر الذي هو قل ، عوض منه . ولو قيل : يقيموا الصلاة وينفقوا ، ابتداء بحذف اللام ، لم يجز ; انتهى . وذهب المبرد إلى أن التقدير : قل لهم أقيموا يقيموا ، فيقيموا المصرح به جواب أقيموا المحذوف ; قيل : وهو فاسد لوجهين : أحدهما : أن جواب الشرط يخالف الشرط إما في الفعل ، أو في الفاعل ، أو فيهما . فأما إذا كان مثله فيهما فهو خطأ ، كقولك : قم يقم ، والتقدير على هذا الوجه : أن يقيموا يقيموا . والوجه الثاني : أن الأمر المقدر للمواجهة و ( يقيموا ) على لفظ الغيبة ، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحدا . وقيل : التقدير أن تقل لهم : أقيموا يقيموا ، قاله سيبويه فيما حكاه ابن عطية . وقال الفراء : جواب الأمر معه شرط مقدر ، تقول : أطع الله يدخلك الجنة ، أي : إن تطعه يدخلك الجنة . ومخالفة هذا القول للقول قبله أن الشرط في هذا مقدر بعد فعل الأمر ، وفي الذي قبله الأمر مضمن معنى الشرط . وقيل : هو مضارع بلفظ الخبر صرف عن لفظ الأمر ، والمعنى : أقيموا ، قاله أبو علي وفرقة ، ورد بأنه لو كان مضارعا بلفظ الخبر ، ومعناه الأمر ، لبقي على إعرابه بالنون ، كقوله : ( هل أدلكم على تجارة ) ثم قال : ( تؤمنون ) والمعنى : آمنوا . واعتل أبو علي لذلك بأنه لما كان بمعنى الأمر بني ; يعني : على حذف النون ، لأن المراد أقيموا ، وهذا كما بني الاسم المتمكن في [ ص: 427 ] النداء في قولك : يا زيد ، يعني على الضمة لما شبه بقبل وبعد ; انتهى . ومتعلق القول الملفوظ به أو المقدر في هذه التخاريج هو الأمر بالإقامة والإنفاق ، إلا في قول ابن عطية فمتعلقه الشريعة فهو أعم ، إذ قدر قل بمعنى بلغ وأد الشريعة . قال ابن عطية : ويظهر أن المقول هو الآية التي بعد أعني قوله : ( الله الذي خلق السماوات والأرض ) ; انتهى . وهذا الذي ذهب إليه من كون معمول القول هو قوله تعالى ( الله الذي ) الآية ، تفكيك للكلام ، يخالفه ترتيب التركيب ، ويكون قوله : يقيموا الصلاة ، كلاما مفلتا من القول ومعموله ، أو يكون جوابا فصل به بين القول ومعموله ، ولا يترتب أن يكون جوابا ، لأن قوله : ( الله الذي خلق السماوات والأرض ) ، لا يستدعي إقامة الصلاة والإنفاق إلا بتقدير بعيد جدا . واحتمل الصلاة أن يراد بها العموم ; أي : كل صلاة فرض وتطوع ، وأن يراد بها الخمس ، وبذلك فسرها ابن عباس . وفسر الإنفاق بزكاة الأموال . وتقدم إعراب ( سرا وعلانية ) وشرحها في أواخر البقرة .

وقال أبو عبيدة : البيع هنا : البذل ، والخلال : المخالة ، وهو مصدر من خاللت خلالا ومخالة ، وهي المصاحبة ; انتهى . ويعني بالبذل : مقابل شيء . وقال امرؤ القيس :


صرفت الهوى عنهن من خشية     الردى ولست بمقلي الخلال ولا قال

وقال الأخفش : الخلال جمع خلة . وتقدم الخلاف في قراءة ( لا بيع فيه ولا خلال ) بالفتح أو بالرفع ، في البقرة ، والمراد بهذا اليوم يوم القيامة . قال الزمخشري : ( فإن قلت ) : كيف طابق الأمر بالإنفاق وصف اليوم بأنه لا بيع فيه ولا خلال ؟ ( قلت ) : من قبل أن الناس يخرجون أموالهم في عقود المعاوضات ، فيعطون بدلا ليأخذوا مثله ، وفي المكارمات ومهاداة الأصدقاء ليستخرجوا بهداياهم أمثالها وخيرا منها ، وأما الإنفاق لوجه الله خالصا ، كقوله : ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) فلا يفعله إلا المؤمنون الخلص ، فبعثوا عليه ليأخذوا بدله في يوم لا بيع فيه ولا خلال ، أي : لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة ، ولا بما ينفقون فيه أموالهم من المعاوضات والمكارمات ، وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله ; انتهى . ولما أطال تعالى الكلام في وصف أحوال السعداء والأشقياء ، وكان حصول السعادة بمعرفة الله وصفاته ، والشقاوة بالجهل ، بذلك ختم وصفه بالدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته ، فقال : ( الله الذي خلق السماوات والأرض ) وذكر عشرة أنواع من الدلائل ، فذكر أولا إبداعه ، وإنشاء السماوات والأرض ، ثم أعقب بباقي الدلائل ، وأبرزها في جمل مستقلة ليدل وينبه على أن كل جملة منها مستقلة في الدلالة ، ولم يجعل متعلقاتها معطوفات عطف المفرد على المفرد ، و ( الله ) مرفوع على الابتداء ، و ( الذي ) خبره . قال ابن عطية : ومن أخبر بهذه الجملة وتقررت في نفسه آمن وصلى وأنفق ; انتهى . يشير إلى ما تقدم من قوله : إن معمول ( قل ) هو قوله تعالى ( الله الذي خلق السماوات والأرض ) الآية . فكأنه يقول : يقيموا الصلاة ، جواب لقوله : قل لعبادي الله الذي خلق السماوات والأرض . والظاهر أن مفعول ( أخرج ) هو رزقا لكم ، و ( من ) للتبعيض . ولما تقدم على النكرة كان في موضع الحال ، ويكون المعنى : إن الرزق هو بعض جني الأشجار ، ويخرج منها ما ليس برزق ، كالمجرد للمضرات . ويجوز أن تكون ( من ) لبيان الجنس ; قاله ابن عطية والزمخشري ، وكأنه قال : فأخرج به رزقا لكم ، هو الثمرات . وهذا ليس بجيد ، لأن ( من ) التي لبيان الجنس إنما تأتي بعد المبهم الذي تبينه . وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون ( من الثمرات ) مفعول أخرج ، و ( رزقا ) حالا من المفعول ، أو نصبا على المصدر من أخرج ، لأنه في معنى رزق . وقيل : ( من ) زائدة ، وهذا لا يجوز عند جمهور البصريين ، لأن ما قبلها واجب ، وبعدها معرفة ، ويجوز عند الأخفش . والفلك هنا جمع فلك ، ولذلك قال : [ ص: 428 ] لتجري . ومعنى بأمره : راجع إلى الأمر القائم بالذات . وقال الزمخشري : لقوله : كن ، وانطوى في تسخير الفلك تسخير البحار ، وتسخير الرياح . وأما تسخير الأنهار : فبجريانها وبتفجيرها للانتفاع بها . وانتصب ( دائبين ) على الحال ، والمعنى : يدأبان في سيرهما وإنارتهما وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات ، عن مقاتل بن حبان : يرفعه إلى ابن عباس أنه قال : معناه دائبين في طاعة الله . قال ابن عطية : وهذا قول ، إن كان يراد به أن الطاعة انقياد منهما في التسخير ، فذلك موجود في قوله : سخر ، وإن كان يراد أنها طاعة مقصودة كطاعة العبادة من البشر فهذا جيد ، والله أعلم ; انتهى . وتسخير الليل والنهار كونهما يتعاقبان خلفه للمنام والمعاش . وقال المتكلمون : تسخير الليل والنهار ، مجاز ، لأنهما عرضان ، والأعراض لا تسخر . ولما ذكر تعالى تلك النعم العظيمة ، ذكر أنه لم يقتصر عليها فقال : وآتاكم من كل ما سألتموه ، والخطاب للجنس من البشر ; أي : أن الإنسان قد أوتي من كل ما شأنه أن يسأل وينتفع به ، ولا يطرد هذا في كل واحد واحد من الناس ، وإنما تفرقت هذه النعم في البشر ; فيقال : بحسب هذا الجميع أوتيتم كذا على جهة التقرير للنعمة . وقرأ ابن عباس ، والضحاك ، والحسن ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وعمرو بن قائد ، وقتادة ، وسلام ، ويعقوب ، ونافع في رواية : من كل ; بالتنوين ; أي : من كل هذه المخلوقات المذكورات . و ( ما ) موصولة مفعول ثان ; أي : ما شأنه أن يسأل بمعنى يطلب الانتفاع به . وقيل : ( ما ) نافية ، والمفعول الثاني هو ( من كل ) كقوله : ( وأوتيت من كل شيء ) ; أي : غير سائليه . أخبر بسبوغ نعمته عليهم بما لم يسألوه من النعم ، ولم يعرض لما سألوه . والجملة المنفية في موضع نصب على الحال ، وهذا القول بدأ به الزمخشري ، وثنى به ابن عطية وقال : إنه تفسير الضحاك . وهذا التفسير يظهر أنه مناف لقراءة الجمهور ( من كل ما سألتموه ) بالإضافة ، لأن في تلك القراءة على ذلك التخريج تكون ( ما ) نافية ، فيكونون لم يسألوه . وفي هذه القراءة يكونون قد سألوه ، و ( ما ) بمعنى الذي . وأجيز أن تكون مصدرية ، ويكون المصدر بمعنى المفعول . ولما أحس الزمخشري بظهور التنافي بين هذه القراءة وبين تلك ، على تقدير أن ( ما ) نافية ; قال : ويجوز أن تكون ما موصولة على وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ، ولم تصلح أحوالكم ومعائشكم إلا به ، فكأنكم سألتموه ، أو طلبتموه بلسان الحال . فتأول سألتموه بقوله : ما احتجتم إليه . والضمير في ( سألتموه ) إن كانت ( ما ) مصدرية عائد على الله تعالى ، ويكون المصدر يراد به المسئول . وإن كانت موصولة بمعنى الذي عاد عليها ، والتقدير : من كل الذي سألتموه إياه . ولا يجوز أن يكون عائدا على الله . والرابط للصلة بالموصول محذوف ، لأنك إن قدرته متصلا فيكون التقدير : ما سألتموهوه ، فلا يجوز . أو منفصلا فيكون التقدير : ما سألتموه إياه ، فالمنفصل لا يجوز حذفه . والنعمة هنا ; قال الواحدي : اسم أقيم مقام المصدر ، يقال : أنعم إنعاما ونعمة ، أقيم الاسم مقام الإنعام كقولك : أنفقت إنفاقا ونفقة ، ولذلك لم يجمع لأنه في معنى المصدر ; انتهى . والذي يظهر أن النعمة هو المنعم به ، وأنه هو اسم جنس لا يراد به الواحد بل يراد به الجمع ، كأنه قيل : وإن تعدوا نعمة الله ; ومعنى ( لا تحصوها ) : لا تحصروها ولا تطيقوا عدها ، هذا إذا أرادوا أن يعدوها على الإجمال . وأما التفصيل فلا يقدر عليه ، ولا يعلمه إلا الله . وقال أبو الدرداء : من لم ير نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه ، وحضر عذابه . والمراد بالإنسان هنا : الجنس ; أي : توجد فيه هذه الخلال وهي : الظلم ، والكفر ، يظلم النعمة بإغفال شكرها ، ويكفرها بجحدها . وقيل : ظلوم في الشدة فيشكو ويجزع ، كفار في النعمة يجمع ويمنع . وفي النحل : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ) ; والفرق بين الختمين : أنه هنا تقدم قوله : ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا ) وبعده ، ( وجعلوا لله أندادا ) ، فكان ذلك [ ص: 429 ] نصا على ما فعلوا من القبائح من كفران النعمة والظلم الذي هو الشرك ، بجعل الأنداد ناسب أن يختم بذم من وقع ذلك منه ، فجاء أن الإنسان لظلوم كفار . وأما في النحل : فلما ذكر عدة تفضلات ، وأطنب فيها ، وقال : ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ) ; أي : من أوجد هذه النعم السابق ذكرها ليس كمن لا يقدر على الخلق ولا على شيء منه ، ذكر من تفضلاته اتصافه بالعذاب والرحمة تحريضا على الرجوع إليه ، وأن هاتين الصفتين هو متصف بهما ، كما هو متصف بالخلق ، ففي ذلك إطماع لمن آمن به . وانتقل من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق أنه يغفر زلله السابق ويرحمه ، وأيضا فإنه لما ذكر أنه تعالى هو المتفضل بالنعم على الإنسان ، ذكر ما حصل من المنعم ، ومن جنس المنعم عليه ، فحصل من المنعم ما يناسبه حالة عطائه وهو الغفران والرحمة ، إذ لولاهما لما أنعم عليه . وحصل من جنس المنعم عليه ما يناسبه حالة الإنعام عليه ، وهو الظلم والكفران ، فكأنه قيل : إن صدر من الإنسان ظلم فالله غفور ، أو كفران نعمة فالله رحيم ، لعلمه بعجز الإنسان وقصوره . ودعوى أن هذه الآية منسوخة بآية النحل لا يلتفت إليها ، ونقل ذلك السخاوي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية