الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              الفصل الثاني : في جواز إسماع العموم من لم يسمع الخصوص

              إسماع العموم من لم يسمع الخصوص .

              وقد اختلفوا في جوازه فقيل : لا يجوز ذلك ; لأن فيه إلباسا ، وتجهيلا ، ونحن نقول : يجب على الشارع أن يذكر دليل الخصوص إما مقترنا ، وإما متراخيا على ما ذكرناه من تأخير البيان ، وليس من ضرورة كل مجتهد بلغه العموم أن يبلغه دليل الخصوص ، بل يجوز أن يغفل عنه ، ويكون حكم الله عليه العمل بالعموم ، وهذا القدر الذي بلغه ، ولا يكلف ما لم يبلغه .

              ودليل جوازه وقوعه بالإجماع ، فإن من الأدلة المخصصة ما هي عقلية غامضة عجز عنها الأكثرون إلا الراسخون في العلم ، وغلطوا فيها ، فالألفاظ المتشابهة في القرآن الموهمة للتشبيه بلغت الجميع ، والأدلة العقلية الغامضة لم ينتبه لها الجميع ، ولم يرد الشرع صريحا بنفي التشبيه ، وقطع الوهم ، وذلك سبب للجهل ، والدليل عليه وقوع الجهل للمشبهة . فإن قيل : العقل الذي يدل على التخصيص عتيد لكل عاقل فالحوالة عليه ليس بتجهيل . قلنا : وأي شيء ينفع كونه عتيدا ، ولم يزل به جهل الأكثرين ، وكان يزول بالتصريح ، والنص الذي لا يوهم التشبيه أصلا .

              احتجوا بشبهتين .

              الأولى : أنه لو جاز ذلك لجاز أن يسمعهم المنسوخ دون الناسخ ، والمستثنى دون الاستئناء . قلنا : ذلك جائز في النسخ ، وعليه العمل بالمنسوخ إلى أن يبلغه الناسخ ، وليس عليه إلا تجويز النسخ ، والتصفح عن دليله ، فإذا لم يبلغه فلا تكليف عليه بما لم يبلغه كما إذا عجز عن معرفة التخصيص بعد البحث عمل بالعموم ، وأما الاستثناء فيشترط اتصاله فكيف لا يبلغه ؟ نعم يجوز أن يسمعه الأول ، فينزعج عن المكان لعارض قبل سماع الاستثناء فلا يسمعه فلا يكون [ ص: 256 ] مكلفا بما لم يبلغه الشبهة الثانية : قولهم تبليغ العام دون دليل الخصوص تجهيل ; فإنه يعتقد العموم ، وهو جهل .

              قلنا : الجهل من جهته إن اعتقد جزما عمومه ، بل ينبغي أن يعتقد أن ظاهره العموم ، وهو محتمل للخصوص ، ومكلف بطلب دليل الخصوص إلى أن يبلغه أو يظهر له انتفاؤه ; لأنه إن اعتقد أنه عام قطعا أو خاص قطعا أو لا عام ، ولا خاص أو هو عام ، وخاص معا فكل ذلك جهل ، فإذا بطل الكل لم يبق إلا اعتقاد أنه ظاهر في العموم محتمل للخصوص ، وبهذا يتبين بطلان مذهب أبي حنيفة حيث قال : قوله : { فتحرير رقبة } يجب أن يعتقد عمومه قطعا حتى يكون إخراج الكافرة نسخا ، وقوله : { وليطوفوا بالبيت العتيق } يجب اعتقاد إجزائه قطعا حتى يكون اشتراط الطهارة بدليل آخر نسخا .

              ، وهو خطأ بل يعتقده ظاهرا محتملا أو يتوقف عن القطع ، والجزم نفيا ، وإثباتا فإنه ليس بقاطع .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية