الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              النمط الثاني من البرهان : وهو نمط التلازم . يشتمل على مقدمتين ، والمقدمة الأولى تشتمل على قضيتين ، والمقدمة الثانية تشتمل على ذكر إحدى تينك القضيتين تسليما إما بالنفي أو بالإثبات حتى تستنتج منه إحدى تينك القضيتين أو نقيضها . ولنسم هذا نمط التلازم ، ومثاله قولنا : إن كان العالم حادثا فله محدث ، فهذه مقدمة ، ومعلوم أنه حادث وهي المقدمة الثانية ، فيلزم منه أن له محدثا . والأولى اشتملت على قضيتين لو أسقط منهما حرف الشرط لانفصلتا ; إحداهما قولنا : إن كان العالم حادثا .

              والثانية قولنا : فله محدث . ولنسم القضية الأولى المقدم ، ولنسم القضية الثانية اللازم والتابع . والقضية الثانية اشتملت على تسليم عين القضية التي سميناها مقدما ، وهو قولنا : ومعلوم أن العالم حادث ، فتلزم منه النتيجة وهو أن للعالم محدثا وهو عين اللازم ، ومثاله في الفقه قولنا : إن كان الوتر يؤدى على الراحلة بكل حال فهو نفل ، ومعلوم أنه يؤدى على الراحلة فثبت أنه نفل .

              وهذا النمط يتطرق إليه أربع تسليمات تنتج منها اثنتان ولا تنتج اثنتان ، أما المنتج فتسليم عين المقدم ينتج عين اللازم ، مثاله قولنا : إن كانت هذه الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر ، ومعلوم أن هذه الصلاة صحيحة فيلزم أن يكون المصلي متطهرا . ومثاله من الحس : إن كان هذا سوادا فهو لون ، ومعلوم أنه سواد فإذا هو لون أما المنتج الآخر فهو تسليم نقيض اللازم فإنه ينتج نقيض المقدم مثاله قولنا : إن كانت هذه الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر ، ومعلوم أن المصلي غير متطهر فينتج أن الصلاة غير صحيحة . وإن كان بيع الغائب صحيحا فهو يلزم بصريح الإلزام ، ومعلوم أنه لا يلزم بصريح الإلزام فيلزم منه أنه ليس بصحيح .

              ووجه دلالة هذا النمط على الجملة أن ما يفضي إلى المحال فهو محال وهذا يفضي إلى المحال فهو إذا محال ، كقولنا : لو كان الباري سبحانه وتعالى مستقرا على العرش لكان إما مساويا للعرش أو أكبر أو أصغر وكل ذلك محال ، فما يفضي إليه محال وهذا يفضي إلى المحال فهو إذا محال .

              وأما الذي لا ينتج فهو تسليم عين اللازم ، فإنا لو قلنا : إن كانت الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر ، ومعلوم أن المصلي متطهر فلا يلزم منه لا صحة الصلاة ولا فسادها إذ قد تفسد الصلاة بعلة أخرى . وكذلك تسليم نقيض المقدم لا ينتج عين اللازم ولا نقيضه ، فإنا [ ص: 34 ] لو قلنا : ومعلوم أن الصلاة ليست صحيحة ، فلا يلزم من هذا كون المصلي متطهرا ولا كونه غير متطهر .

              وتحقيق لزوم النتيجة من هذا النمط أنه مهما جعل شيء لازما لشيء فينبغي أن لا يكون الملزوم أعم من اللازم بل إما أخص أو مساويا ، ومهما كان أخص فثبوت الأخص بالضرورة يوجب ثبوت الأعم ، إذ يلزم من ثبوت السواد ثبوت اللون ، وهو الذي عنيناه بتسليم عين اللازم وانتفاء الأعم يوجب انتفاء الأخص بالضرورة ، إذ يلزم من انتفاء اللون انتفاء السواد وهو الذي عنيناه بتسليم نقيض اللازم . وأما ثبوت الأعم فلا يوجب ثبوت الأخص فإن ثبوت اللون لا يوجب ثبوت السواد ، فلذلك قلنا تسليم عين اللازم لا ينتج .

              وأما انتفاء الأخص فلا يوجب انتفاء الأعم ولا ثبوته ، فإن انتفاء السواد لا يوجب انتفاء اللون ولا ثبوته ، وهو الذي عنيناه بقولنا : إن تسليم نقيض المقدم لا ينتج أصلا . وإن جعل الأخص لازما للأعم فهو خطأ ، كمن يقول : إن كان هذا لونا فهو سواد . فإن كان اللازم مساويا للمقدم أنتج منه أربع تسليمات ، كقولنا : إن كان زنا المحصن موجودا فالرجم واجب لكنه موجود فإذا هو واجب ، لكنه واجب فإذا هو موجود ، لكن الرجم غير واجب فالزنا غير موجود ، لكن زنا المحصن غير موجود فالرجم غير واجب . وكذلك كل معلول له علة واحدة ، كقولنا : إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكنها طالعة فالنهار موجود ، لكن النهار موجود فهي إذا طالعة ، لكنها غير طالعة فالنهار غير موجود ، لكن النهار غير موجود فهي إذا غير طالعة .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية