الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 94 ] قال ( وارتداد الصبي الذي يعقل ارتداد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، ويجبر على الإسلام ولا يقتل ، وإسلامه إسلام لا يرث أبويه إن كانا كافرين . وقال أبو يوسف : ارتداده ليس بارتداد وإسلامه إسلام ) وقال زفر والشافعي : إسلامه ليس بإسلام وارتداده ليس بارتداد . لهما في الإسلام أنه تبع لأبويه فيه فلا يجعل أصلا . ولأنه يلزمه أحكاما تشوبها المضرة فلا يؤهل له . ولنا فيه أن عليا رضي الله عنه أسلم في صباه ، وصحح النبي صلى الله عليه وسلم إسلامه ، وافتخاره بذلك مشهور [ ص: 95 ] ولأنه أتى بحقيقة الإسلام وهي التصديق والإقرار معه ; لأن الإقرار عن طوع دليل على الاعتقاد على ما عرف والحقائق لا ترد ، وما يتعلق به سعادة أبدية ونجاة عقباوية ، وهي من أجل المنافع وهو الحكم الأصلي ، ثم يبتنى عليه غيرها فلا يبالي بشوبه .

[ ص: 96 ] ولهم في الردة أنها مضرة محضة ، بخلاف الإسلام على أصل أبي يوسف ; لأنه تعلق به أعلى المنافع على ما مر . ولأبي حنيفة ومحمد فيها أنها موجودة حقيقة ، ولا مرد للحقيقة [ ص: 97 ] كما قلنا في الإسلام ، إلا أنه يجبر على الإسلام لما فيه من النفع له ، ولا يقتل ; لأنه عقوبة ، والعقوبات موضوعة عن الصبيان مرحمة عليهم . وهذا في الصبي الذي يعقل .

التالي السابق


( قوله : وارتداد الصبي الذي يعقل ارتداد عند أبي حنيفة ومحمد ) أي يصح . فلو مات له قريب مسلم بعد ردته لا يرث منه ، وبه كان يقول أبو يوسف ثم رجع وقال : ليس بارتداد ( وإسلامه إسلام ) باتفاق الثلاثة ( فلا يرث أبويه الكافرين ) ويرث أقاربه المسلمين ، ولا يصح نكاح المشركة له ، وتحل له المؤمنة ، وتبطل مالية الخمر والخنزير ونحو ذلك . وعن ابن أبي مالك عن أبي يوسف أن أبا حنيفة رجع إلى قول أبي يوسف ( وقال زفر والشافعي : إسلامه ليس بإسلام وردته ليست بارتداد لهما ) أي لزفر والشافعي في عدم صحة إسلامه ( أنه تبع لأبويه فيه فلا يجعل أصلا ) لتناف بين صفة الأصلية والتبعية ; لأن الأولى سمة القدرة والثانية سمة العجز ، ثم إسلامه يصح تبعا لأبويه فلا يجعل أصلا مستقلا به ( ولأنه يلزمه أحكاما تشوبها المضرة ) من حرمان الإرث والفرقة بينه وبين زوجته المشركة ( فلا يؤهل له ) كالطلاق والعتاق ( ولنا فيه ) أي إسلامه ( أن عليا رضي الله عنه أسلم في صباه ، وصحح النبي صلى الله عليه وسلم إسلامه ، وافتخاره بذلك مشهور ) أما افتخاره فما نقل من قوله رضي الله عنه :

سبقتكمو إلى الإسلام طرا غلاما ما بلغت أوان حلمي

.

[ ص: 95 ] وأما ما عن الحسن أنه أسلم وهو ابن خمسة عشرة سنة فلم يوافقه أحد عليه سوى رواية عن أحمد لم تصح ، بل الصحيح عنه أنه أسلم وهو ابن ثمان سنين . قال ابن الجوزي : استقراء الحال يبطل رواية الخمس عشرة ; لأنه إذا كان له يوم البعث ثمان سنين فقد عاش معه ثلاثا وعشرين سنة وبقي بعد النبي صلى الله عليه وسلم نحو ثلاثين سنة ، فهذه مقاربة الستين ، وهو الصحيح في مقدار عمره . ثم أسند عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : قتل علي رضي الله عنه وهو ابن ثمان وخمسين سنة . قال : فمتى قلنا إنه كان يوم إسلامه ابن خمس عشرة سنة صار عمره ثمانيا وستين ولم يقله أحد . وأخرج البخاري في تاريخه عن عروة قال : أسلم علي وهو ابن ثمان سنين وأخرج الحاكم في المستدرك من طريق ابن إسحاق أنه أسلم وهو ابن عشر سنين . وأخرج أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما : { دفع النبي صلى الله عليه وسلم الراية إلى علي يوم بدر وهو ابن عشرين سنة } . وقال : صحيح على شرط الشيخين . قال الذهبي : هذا نص على أنه أسلم وله أقل من عشر سنين ، بل نص على أنه أسلم وهو ابن سبع سنين أو ثمان سنين . وما ذكر الثعالبي وغيره في اتفاق الأعمار من أن كلا من النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم عاش ثلاثا وستين سنة يقتضي أن عمره حين أسلم كان عشر سنين وهو ما تقدم من رواية الحاكم من طريق ابن إسحاق . قال صاحب التنقيح : ولأنه صلى الله عليه وسلم { عرض الإسلام على ابن صياد وهو غلام لم يبلغ } ، وقد يقال تصحيحه صلى الله عليه وسلم إسلامه إن أريد في أحكام الآخرة فمسلم ، وكلامنا في تصحيحه في أحكام الدنيا والآخرة حتى لا يرث أقاربه الكفار ونحو ذلك . ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم صححه في حق هذه الأحكام بل في العبادات ، فإنه كان يصلي معه على ما هو ثابت ونحو ذلك .

نعم لو نقل من قوله صلى الله عليه وسلم صححت إسلامه أمكن أن يصرف إليه باعتبار الجهتين ، لكن لم ينقل ذلك ، وقد أورد هذا السؤال على خلاف هذا الوجه وعلى ما ذكرنا هو الوجه . قيل : ومن أقبح القبائح أن لا يسمى مسلما مع اشتغاله بتعلم القرآن وتعليمه والصلاة . قيل : والعجب من الشافعي كيف يصحح اختياره لأحد أبويه عند الفرقة مع ظهور أنه إنما يختار من يطلق عنانه إلى أهويته من اللعب وغيره ولا يصحح اختياره المقطوع بخيرته . فإن قال هو غير مكلف ، قلنا : إنما يلزم ذلك إذا قلنا بوجوبه عليه قبل البلوغ كما عن أبي منصور والمعتزلة وأنه يقع مسقطا للواجب ، لكنا إنما نختار أنه يصح لتترتب عليه الأحكام الدنيوية والأخروية ، ثم إذا بلغ لزمه فلو ارتد بعد البلوغ أجبر على الإسلام بالحبس لا بالقتل بخلاف المسلم بالغا . وعند أحمد ومالك يقتل إن لم يعد إلى الإسلام . قال المصنف : ( ولأنه أتى بحقيقة الإسلام وهو التصديق والإقرار معه ) والتصديق الباطني يحكم به للإقرار الدال عليه على ما عرف من تعليق الأحكام المتعلقة بالباطن به ، وإذا كان قد أتى به فقد دخلت حقيقة الإيمان قائمة به في الوجود ، فكيف يصح أن يقال لم تدخل ، ولم يتصف مع الدخول والاتصاف ، فإن قال : الإيمان الذي أنفيه منه هو المعتبر ، فما دخل في الوجود لا أنفيه [ ص: 96 ] ولكن أقول لا يعتبر شرعا . قلنا : دعوى عدم الاعتبار بعد وجود الحقيقة ، إما لعدم أهلية الصحة وهو منتف ; لأنه جعل أهلا للنبوة كما في يحيى عليه الصلاة والسلام وهي فرع الإيمان والاتفاق على أهليته للصلاة والصوم حتى يصحان منه ويثاب عليهما ، وإما لعدم أهلية الوجوب فنلتزمه ، والكلام ليس فيه كما ذكرنا آنفا ، وإما لحاجز شرعي وهو منتف .

ولا يليق أن يثبت شرعا منع عن الإيمان بالله سبحانه وتعالى مع عقليته ومعرفته ، نعم مقتضى الدليل أن يجب عليه بعد البلوغ فيجب القصد إلى تصديق وإقرار يسقط به ، ولا يكفيه استصحاب ما كان عليه من التصديق والإقرار غير المنوي به إسقاط الفرض . كما أنه لو كان يواظب الصلاة قبل بلوغه لا يكون كما كان يفعل بل لا يكفيه بعد بلوغه منها إلا ما قرنه بنية أداء الواجب امتثالا ، لكنهم اتفقوا على أنه لا يجب بل يقع فرضا قبل البلوغ ، أما عند فخر الإسلام فلأنه يثبت أصل الوجوب به على الصبي بالسبب ، وهو حدوث العالم وعقلية دلالته دون وجوب الأداء ; لأنه بالخطاب وهو غير مخاطب ، فإذا وجد بعد السبب وقع الفرض كتعجيل الزكاة . وأما عند شمس الأئمة فلا وجوب أصلا ; لعدم حكمه وهو وجوب الأداء ، فإذا وجد وجد وصار كالمسافر يصلي الجمعة يسقط فرضه وليست الجمعة فرضا عليه . لكن ذلك للترقية عليه بعد سببها ، فإذا فعل تم ، ولا نعلم خلافا بين المسلمين في عدم وجوب نية فرض الإيمان بعد بلوغ من حكم بصحة إسلامه صبيا تبعا لأبويه المسلمين أو لإسلامه وأبواه كافران ، ولو كان ذلك فرضا لم يفعله أهل الإجماع عن آخرهم . وأما قوله : يشوبها ضرر . قلنا ما تتعلق به السعادة الأبدية ويزول به توقع مضرة أبدية من رد إسلامه ; ليستمر على الكفر كل عاقل يعنيه ولا يبالي معه بذلك الضرر ; لأنه لا نسبة له بالضرر الآخر .

وأما التنافي الذي ذكر فإنما يلزم لو قلنا باجتماع كونه تبعا وأصلا معا ولسنا نقول به بل هو تبع ما لم يعقل ويقر مختارا ، فإذا عقل وأقر مختارا نقول انقطعت تبعيته في حق هذا الحكم وبقي أصلا . وفي المبسوط منع المضادة وأجاز اجتماعهما كالمرأة تسافر مع الزوج تكون مسافرة تبعا له حتى إذا لم تنو السفر تكون مسافرة ، ولو نوته كانت مسافرة مقصودا وتبعا ، فجعلهما أمرين يتأيد أحدهما بالآخر . قال المصنف : ( ولهم في الردة ) يعني الشافعي وزفر وأبا يوسف ( إنها مضرة محضة ، بخلاف الإسلام على أصل أبي يوسف ; لأنه تعلق به أعلى المنافع ) ودفع أعظم المضار ( ولأبي حنيفة ومحمد ) ما قلنا من ( أنها موجودة حقيقة ) بوجود حقيقتها من الإنكار والإقرار به ( ولا مرد للحقيقة ) فإن قيل : لا يلزم من اعتبار الحقيقة وعدم ردها في الإسلام [ ص: 97 ] مثله في الردة لما في ذلك من النفع وفي الردة من الضرر ; ألا ترى أنه يصح منه قبول الهبة ولا يصح منه الهبة ؟ . الجواب أن الحقيقة الداخلة منه في الوجود إذا كانت مما يقطع فيه بالعلم أو الجهل فهي التي لا يمكن عدم اعتبارها كالإيمان والردة ، فإنه لا يمكن أن يجعل عارفا إذا علم جهله بالكفر ولا جاهلا إذا علم علمه بالإيمان فلا بد من اعتبارها بعد وجودها ، وصار كما إذا صام بنية يجعل صائما شرعا ، فلو أكل جعل مفطرا ولم يجعل صائما ، وكذا إذا صلى ثم أفسدها ، فأما إذا كانت مما لا يقطع فيها بذلك بل هي دائرة بين علمه بالمصلحة وجهله بها فلا تصح منه ; لأنا لم نتيقن بالمصلحة في نفس الأمر ، وذلك كالهبة فإنه جاز فيه كونه علم المصلحة لما علمه من حسن الجزاء عليها بالضعف ، وجاز كونه جاهلا في ذلك بأن لم تكن جالبة لذلك فمنعناها ، بخلاف القبول فإنا علمنا علمه بالمصلحة فلا نجعله جاهلا بها .

وإذا ثبت أن الحقائق بعد العلم بثبوتها لا ترد لزم ضررها بالضرورة ; ألا ترى أنا اتفقنا على جعله مرتدا إذا ارتد أبواه ولحقا به بدار الحرب مع ما فيه من الضرر ( قوله : إلا أنه ) أي الصبي المرتد ( يجبر على الإسلام لما فيه من النفع ) المتيقن ودفع أعظم المضار ( ولا يقتل ) وهذه رابعة أربع مسائل لا يقتل فيها المرتد : إحداها الذي كان إسلامه تبعا لأبويه إذا بلغ مرتدا ; ففي القياس يقتل كقول مالك والشافعي ، وفي الاستحسان لا يقتل ; لأن إسلامه لما ثبت تبعا لغيره صار شبهة في إسقاط القتل عنه ، وإن بلغ مرتدا . الثانية إذا أسلم في صغره ثم بلغ مرتدا ففي القياس يقتل وبه قال مالك وأحمد ، وفي الاستحسان لا يقتل لقيام الشبهة بسبب اختلاف العلماء في صحة إسلامه في الصغر . والثالثة إذا ارتد في صغره . والرابعة المكره على الإسلام إذا ارتد لا يقتل استحسانا ; لأن الحكم بإسلامه من حيث الظاهر ; لأن قيام السيف على رأسه ظاهر في عدم الاعتقاد فيصير شبهة في إسقاط القتل ، وفي كل ذلك يجبر على الإسلام ، ولو قتله قاتل قبل أن يسلم لا يلزمه شيء ، ذكر الكل في المبسوط .

ولها خامسة وهو اللقيط في دار الإسلام محكوم بإسلامه ، ولو بلغ كافرا أجبر على الإسلام ولا يقتل كالمولود بين المسلمين إذا بلغ كافرا . وقال المصنف في وجه عدم قتله : ( لأنه ) أي القتل ( عقوبة والعقوبات موضوعة عن الصبيان مرحمة عليهم ) وبين أن الكلام كله في الصبي الذي يعقل الإسلام . وفي المبسوط زاد كونه بحيث يناظر ويفهم ويفحم .

واعترض جماعة من الشارحين قول المصنف مرحمة عليهم بأنه يعذب في الآخرة مخلدا فليس بمرحوم ، ونقل ذلك عن الأسرار والمبسوط وجامع التمرتاشي رحمه الله ، وأحال التمرتاشي هذه الرواية إلى التبصرة ، فالأولى في التعليل ما في المبسوط من أنه لا يقتل لاختلاف العلماء في صحة إسلامه . ولفظه في المبسوط في هذه المسألة : فإذا حكم بصحة ردته بانت [ ص: 98 ] منه امرأته ولكنه لا يقتل استحسانا ; لأن القتل عقوبة وهو ليس من أهل أن يلتزم العقوبة في الدنيا بمباشرة سببه كسائر العقوبات ، ولكن لو قتله إنسان لم يغرم شيئا ; لأن من ضرورة صحة ردته إهدار دمه دون استحقاق قتله كالمرأة إذا ارتدت لا تقتل ، ولو قتلها قاتل لم يلزمه شيء .




الخدمات العلمية