الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 339 ] قال : ( ومن باع ما لم يره فلا خيار له ) وكان أبو حنيفة يقول : أولا له الخيار اعتبارا بخيار العيب وخيار الشرط وهذا ; لأن لزوم العقد بتمام الرضا زوالا وثبوتا ولا يتحقق ذلك إلا بالعلم بأوصاف المبيع ، وذلك بالرؤية فلم يكن البائع راضيا بالزوال . ووجه القول المرجوع إليه أنه معلق بالشراء لما روينا فلا يثبت دونه .

وروي " أن [ ص: 340 ] عثمان بن عفان باع أرضا له بالبصرة من طلحة بن عبيد الله فقيل لطلحة : إنك قد غبنت ، فقال : لي الخيار ; لأني اشتريت ما لم أره . وقيل لعثمان : إنك قد غبنت ، فقال : لي الخيار ; لأني بعت ما لم أره . فحكما بينهما جبير بن مطعم " . فقضى بالخيار لطلحة ، وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم .

التالي السابق


( قوله ومن باع ما لم يره ) بأن ورث عينا من الأعيان في بلدة أخرى فباعها قبل أن يراها ( فلا خيار له . وكان أبو حنيفة رضي الله عنه يقول أولا : له الخيار اعتبارا بخيار العيب ) فإنه يثبت للبائع حتى جاز أن يرد الثمن بالزيافة ( وخيار الشرط ) فإنه يجوز لهما .

ولو اختصر على خيار العيب كان أقرب ; لأن ثبوته في العيب معقول لاحتباس ما هو بعض المبيع عند البائع ، فكان بسبيل من ترك حقه أو أخذه بأخذ الثمن ورد المبيع ، بخلاف خيار الشرط ، وفي عدم الرؤية لتحصيل شرط البيع وهو العلم التام بالمبيع غير أنه جوز متأخرا للمصلحة التي ذكرناها . ثم تقرير المصنف حيث قال ( وهذا ; لأن لزوم العقد بتمام الرضا زوالا ) يعني في حق البائع ( وثبوتا ) في حق المشتري ( ولا يتحقق ذلك ) أي تمام الرضا ( إلا بالعلم بأوصاف المبيع ، وذلك بالرؤية ) يخال أنه قياس يجامع عدم الرضا بالبيع على البتات وهو تعليل بالعدم . وحاصله أن ثبوت الخيار لعدم تمام الرضا بأحكام العقد فكذا هنا .

ويرد عليه أن حكم الأصل : أعني خيار الشرط متوقف شرعا على تراضيهما ، فقياسه أن يكون هكذا يثبت الخيار بتراضيهما لا إذا سكتا عنه فيلزم حينئذ فكذا هنا ، وليس الواقع هذا لظهور اختلاف حكم الأصل والفرع ، ولو لم يختلفا فالأصل معدول عن القياس فلا يقاس عليه ، فلذا حق له أن يرجع .

وذكر للمرجوع إليه وجهين : أحدهما : ( أنه معلق بالشراء لما روينا فلا يثبت دونه ) ولا يخفى أنه نفي للحكم بمفهوم الشرط إذ حاصله انتفاء الحكم [ ص: 340 ] لانتفاء الشرط . والثاني ما أخرجه الطحاوي ثم البيهقي عن علقمة بن أبي وقاص " أن طلحة رضي الله عنه اشترى من عثمان بن عفان رضي الله عنه مالا ، فقيل لعثمان : إنك قد غبنت ، فقال عثمان : لي الخيار ، لأني بعت ما أره ، وقال طلحة رضي الله عنه : لي الخيار ; لأني اشتريت ما لم أره ، فحكما بينهما جبير بن مطعم رضي الله عنهم فقضى أن الخيار لطلحة ولا خيار لعثمان " .

والظاهر أن مثل هذا يكون بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ; لأن قضية يجري فيها التخالف بين رجلين كبيرين ثم إنهما حكما فيها غيرهما فالغالب على الظن شهرتها وانتشار خبرها فحين حكم جبير بذلك ولم يرو عن أحد خلافه كان إجماعا سكوتيا ظاهرا




الخدمات العلمية