الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 6675 36 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَدِيثِينَ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ؛ حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا، قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ، فَيَبْقَى فِيهَا أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ. وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ تُؤْخَذُ مِنْ مَعْنَاهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ابْنَ بَطَّالٍ قَالَ: أَدْخَلَ الْبُخَارِيُّ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ الْآنَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ سَنَدًا وَمَتْنًا مَضَى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ فِي بَابِ رَفْعِ الْأَمَانَةِ فَرَاجِعْهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ قَدْ بَسَطْنَاهُ. قَوْلُهُ: " وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا " هُوَ الْحَدِيثُ الثَّانِي، وَفِيهِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْإِخْبَارَ عَنْ فَسَادِ أَدْيَانِ النَّاسِ وَقِلَّةِ أَمَانَتِهِمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ . وَالْجِذْرُ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - الْأَصْلُ؛ أَيْ: كَانَتْ لَهُمْ بِحَسَبِ الْفِطْرَةِ وَحَصَلَتْ لَهُمْ بِالْكَسْبِ مِنَ الشَّرِيعَةِ. وَالْوَكْتُ - بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَبِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ - الْأَثَرُ الْيَسِيرُ. وَقِيلَ: السَّوَادُ. وَقِيلَ: اللَّوْنُ الْمُخَالِفُ لِلَّوْنِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَالْمَجْلُ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا - هُوَ التَّنَفُّطُ الَّذِي يَحْصُلُ فِي الْيَدِ مِنَ الْعَمَلِ، وَنَفِطَ بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَلَمْ يُؤَنَّثِ الضَّمِيرُ بِاعْتِبَارِ الْعُضْوِ. وَمُنْتَبِرًا مُفْتَعِلًا مِنَ الِانْتِبَارِ، وَهُوَ الِارْتِفَاعُ، وَمِنْهُ الْمِنْبَرُ. وَالْأَمَانَةُ ضِدَّ الْخِيَانَةِ، وَقِيلَ: هِيَ التَّكَالِيفُ الْإِلَهِيَّةُ. وَمَعْنَى الْمُبَايَعَةِ هُنَا الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، أَيْ: كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ الْأَمَانَةَ فِي النَّاسِ، فَكَيْفَ أُقْدِمُ عَلَى مُعَامَلَةِ مَنِ اتَّفَقَ غَيْرَ مُبَالٍ بِحَالِهِ وُثُوقًا بِأَمَانَتِهِ أَوْ أَمَانَةِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَدِينُهُ يَمْنَعُهُ مِنَ الْخِيَانَةِ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى أَدَائِهَا، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا - وَذَكَرَ النَّصْرَانِيَّ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ - فَسَاعِيهِ - أَيِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ - يَقُومُ بِالْأَمَانَةِ فِي وِلَايَتِهِ، فَيُنْصِفُنِي، وَيَسْتَخْرِجُ حَقِّي مِنْهُ. وَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ ذَهَبَتِ الْأَمَانَةُ، فَلَسْتُ أَثِقُ الْيَوْمَ بِأَحَدٍ أَأْتَمِنُهُ عَلَى بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ، إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا، يَعْنِي أَفْرَادًا مِنَ النَّاسِ قَلَائِلَ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية