الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ الْعَاضِدِ صَاحِبِ مِصْرَ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْهَا ، أَمَرَ صَلَاحُ الدِّينِ بِإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ لِبَنِي الْعَبَّاسِ بِمِصْرَ ، وَفِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ بِالْقَاهِرَةِ ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمًا مَشْهُودًا ، وَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ بِالشَّامِ ، أَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ مَعَ ابْنِ أَبِي عَصْرُونَ شِهَابِ الدِّينِ أَبِي الْمَعَالِي الْمُطَهِّرِ ، فَزُيِّنَتْ بَغْدَادُ وَغُلِّقَتِ الْأَسْوَاقُ وَعُمِلَتِ الْقِبَابُ وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا شَدِيدًا ، وَكَانَتِ الْخُطْبَةُ قَدْ قُطِعَتْ مِنْ دِيَارِ مِصْرَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي خِلَافَةِ الْمُطِيعِ الْعَبَّاسِيِّ حِينَ تَغَلَّبَ الْفَاطِمِيُّونَ عَلَيْهَا أَيَّامَ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ بَانِي الْقَاهِرَةِ إِلَى هَذَا الْأَوَانِ ، وَذَلِكَ مِائَتَا سَنَةٍ وَثَمَانِ سِنِينَ ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : وَقَدْ أَلَّفْتُ فِي ذَلِكَ كِتَابًا سَمَّيْتُهُ النَّصْرَ عَلَى مِصْرَ مَوْتُ الْعَاضِدِ آخِرِ خُلَفَاءِ الْعُبَيْدِيِّينَ وَالْعَاضِدُ فِي اللُّغَةِ الْقَاطِعُ ( لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ) لَا يُقْطَعُ وَبِهِ قُطِعَتْ دَوْلَتُهُمْ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَيُكَنَّى بِأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْحَافِظِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَنْصِرِ بْنِ الْحَاكِمِ بْنِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُعِزِّ بْنِ الْمَنْصُورِ بْنِ الْقَائِمِ بْنِ الْمَهْدِيِّ أَوَّلِ مُلُوكِهِمْ ، كَانَ مَوْلِدُ الْعَاضِدِ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ ، فَعَاشَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَكَانَتْ سِيرَتُهُ مَذْمُومَةً ، وَكَانَ شِيعِيًّا خَبِيثًا ، لَوْ أَمْكَنَهُ قَتَلَ كُلَّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَاتَّفَقَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَقَرَّ أَمْرُ الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ رَسَمَ بِالْخُطْبَةِ لِبَنِي الْعَبَّاسِ عَنْ مَرْسُومِ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ لَهُ بِذَلِكَ لِمُعَاتَبَةِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْجِدِ إِيَّاهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ ، وَكَانَ الْمُسْتَنْجِدُ إِذْ ذَاكَ مُدْنِفًا مَرِيضًا ، فَلَمَّا مَاتَ تَوَلَّى بَعْدَهُ وَلَدُهُ فَكَانَتِ الْخُطْبَةُ بِمِصْرَ لَهُ ، ثُمَّ إِنَّ الْعَاضِدَ مَرِضَ فَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَحَضَرَ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ جِنَازَتَهُ ، وَشَهِدَ عَزَاءَهُ ، وَبَكَى عَلَيْهِ وَتَأَسَّفَ وَظَهَرَ مِنْهُ حُزْنٌ ، وَقَدْ كَانَ مُطِيعًا لَهُ فِيمَا يَأْمُرُهُ بِهِ ، وَكَانَ الْعَاضِدُ كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا سَامَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَمَّا مَاتَ اسْتَحْوَذَ صَلَاحُ الدِّينِ عَلَى الْقَصْرِ بِمَا فِيهِ وَأَخْرَجَ مِنْهُ أَهْلَ الْعَاضِدِ إِلَى دَارٍ أَفْرَدَهَا لَهُمْ وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ وَالنَّفَقَاتِ الْهَنِيَّةَ وَالْعِيشَةَ الرَّضِيَّةَ ; عِوَضًا عَمَّا فَاتَهُمْ مِنَ الْخِلَافَةِ ، وَكَانَ يَتَنَدَّمُ عَلَى إِقَامَةِ الْخُطْبَةِ لِبَنِي الْعَبَّاسِ بِمِصْرَ قَبْلَ وَفَاتِهِ وَهَلَّا صَبَرَ بِهَا إِلَى بَعْدِ مَمَاتِهِ ، وَلَكِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدَرًا مَقْدُورًا وَفِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ، وَمِمَّا نَظَمَهُ الْعِمَادُ فِي ذَلِكَ : تُوُفِّيَ الْعَاضِدُ الدَّعِيُّ فَمَا يَفْتَحُ ذُو بِدْعَةٍ بِمِصْرَ فَمَا وَعَصْرُ فِرْعَوْنِهَا انْقَضَى وَغَدَا يُوسُفُهَا فِي الْأُمُورِ مُحْتَكِمَا وَانْطَفَأَتْ جَمْرَةُ الْغُوَاةِ وَقَدْ بَاخَ مِنَ الشِّرْكِ كُلُّ مَا اضْطَرَمَا وَصَارَ شَمْلُ الصَّلَاحِ مُلْتَئِمًا بِهَا وَعِقْدُ السَّدَادِ مُنْتَظِمَا لَمَّا غَدَا مُعْلَنًا شِعَارُ بَنِي الْ عَبَّاسِ حَقًّا وَالْبَاطِلُ اكْتَتَمَا وَبَاتَ دَاعِي التَّوْحِيدِ مُنْتَصِرًا وَمِنْ دُعَاةِ الْإِشْرَاكِ مُنْتَقِمَا وَظَلَّ أَهْلُ الضَّلَالِ فِي ظُلَلٍ دَاجِيَةٍ مِنْ غَيَابَةٍ وَعَمَى وَارْتَبَكَ الْجَاهِلُونَ فِي ظُلَمٍ لَمَّا أَضَاءَتْ مَنَابِرُ الْعُلَمَا وَعَادَ بِالْمُسْتَضِيءِ مُمْتَهَدًا بِنَاءُ حَقٍّ قَدْ كَانَ مُنْهَدِمَا وَاعْتَلَّتِ الدَّوْلَةُ الَّتِي اضْطُهِدَتْ وَانْتَصَرَ الدِّينُ بَعْدَمَا اهْتُضِمَا وَاهْتَزَّ عِطْفُ الْإِسْلَامِ مِنْ جَذَلٍ وَافْتَرَّ ثَغْرُ الْإِسْلَامِ وَابْتَسَمَا وَاسْتَبْشَرَتْ أَوْجُهُ الْهُدَى فَرَحًا فَلْيَقْرَعِ الْكُفْرُ سِنَّهُ نَدَمَا عَادَ حَرِيمُ الْأَعْدَاءِ مُنْتَهَكَ الْ حِمَى وَفَيْءُ الطُّغَاةِ مُقْتَسَمَا قُصُورُ أَهْلِ الْقُصُورِ أَخْرَبَهَا عَامِرُ بَيْتٍ مِنَ الْكَمَالِ سَمَا أَزْعَجَ بَعْدَ السُّكُونِ سَاكِنَهَا وَمَاتَ ذُلًّا وَأَنْفُهُ رَغِمَا وَمِمَّا قِيلَ مِنَ الشِّعْرِ بِبَغْدَادَ يُبَشَّرُ الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَضِيءَ بِأَمْرِ اللَّهِ بِالْخُطْبَةِ لَهُ بِمِصْرَ وَأَعْمَالِهَا : لِيَهْنِكَ يَا مَوْلَايَ فَتْحٌ تَتَابَعَتْ إِلَيْكَ بِهِ خُوصُ الرَّكَائِبِ تُوجَفُ أَخَذْتَ بِهِ مِصْرًا وَقَدْ حَالَ دُونَهَا مِنَ الشِّرْكِ بَأْسٌ فِي لَهَى الْحَقِّ يُقْذَفُ فَعَادَتْ بِحَمْدِ اللَّهِ بِاسْمِ إِمَامِنَا تَتِيهُ عَلَى كُلِّ الْبِلَادِ وَتَشْرُفُ وَلَا غَرْوَ أَنْ ذُلَّتْ لِيُوسُفَ مِصْرُهُ وَكَانَتْ إِلَى عَلْيَائِهِ تَتَشَوَّفُ يُشَابِهُهُ خَلْقًا وَخُلْقًا وَعِفَّةً وَكُلٌّ عَنِ الرَّحْمَنِ فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُ كَشَفْتَ بِهَا عَنْ آلِ هَاشِمِ سُبَّةً وَعَارًا أَبَى إِلَّا بِسَيْفِكَ يُكْشَفُ وَقَدْ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي الرَّوْضَتَيْنِ وَهَيَ أَطْوَلُ مِنْ هَذِهِ ، وَذَكَرَ أَنَّ أَبَا الْفَضَائِلِ الْحُسَيْنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ تُرْكَانَ حَاجِبَ ابْنِ هُبَيْرَةَ أَنْشَدَهَا لِلْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْجِدِ قَبْلَ مَوْتِهِ عِنْدَ تَأْوِيلِ مَنَامٍ رَآهُ بَعْضُ النَّاسِ لِلْخَلِيفَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى ، وَأَرَادَ بِيُوسُفَ الثَّانِي الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَنْجِدَ ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الْقَصِيدَةَ فِي حَيَاةِ الْمُسْتَنْجِدِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ وَلَمْ يَخْطُبْ إِلَّا لِوَلَدِهِ الْمُسْتَضِيءِ فَجَرَى الْمَقَالُ بِاسْمِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْمُسْتَضِيءُ بِأَمْرِ اللَّهِ إِلَى الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ خِلْعَةً سَنِيَّةً سُنِّيَّةً ، وَكَذَلِكَ لِلْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَمَعَهَا أَعْلَامٌ سُودٌ وَلِوَاءٌ مَعْقُودٌ ، فَفُرِّقَتْ عَلَى الْجَوَامِعِ بِالشَّامِ وَبِمِصْرَ ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا مَنَحَ مِنَ الْعِزِّ وَالنَّصْرِ . قَالَ ابْنُ أَبِي طَيٍّ فِي كِتَابِهِ : وَلَمَّا تَفَرَّغَ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ الْمَلِكُ النَّاصِرُ مِنْ تَوْطِيدِ الْمَمْلَكَةِ وَإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ وَالتَّعْزِيَةِ بِانْقِضَاءِ الدَّوْلَةِ الْعُبَيْدِيَّةِ الزَّاعِمَةِ أَنَّهَا فَاطِمِيَّةٌ ، اسْتَعْرَضَ حَوَاصِلَ الْقَصْرَيْنِ فَوَجَدَ فِيهِمَا مِنَ الْحَوَاصِلِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالْآلَاتِ وَالثِّيَابِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَفَارِشِ شَيْئًا بَاهِرًا وَأَمْرًا هَائِلًا ; مِنْ ذَلِكَ سَبْعُمِائَةِ يَتِيمَةٍ مِنَ الْجَوْهَرِ وَقَضِيبُ زُمُرُّدٍ طُولُهُ أَكْثَرُ مِنْ شِبْرٍ وَسُمْكُهُ نَحْوُ الْإِبْهَامِ ، وَحَبْلٌ مِنْ يَاقُوتٍ ، وَوُجِدَ فِيهِ إِبْرِيقٌ عَظِيمٌ مِنَ الْحَجَرِ الْمَانِعِ ، وَطَبْلٌ لِلْقُولَنْجِ إِذَا ضَرَبَ عَلَيْهِ أَحَدٌ يَحْصُلُ لَهُ خُرُوجُ رِيحٍ مِنْ دُبُرِهِ ، يَنْصَرِفُ عَنْهُ مَا يَجِدُهُ مِنَ الْقُولَنْجِ ، فَاتَّفَقَ أَنَّ بَعْضَ أُمَرَاءِ الْأَكْرَادِ أَخَذَهُ فِي يَدِهِ وَلَمْ يَدْرِ مَا شَأْنُهُ ، فَلَمَّا ضَرَبَ عَلَيْهِ حَبَقَ ، فَأَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَكَسَرَهُ فَبَطَلَ أَمْرُهُ ، وَأَمَّا الْقَضِيبُ فَإِنَّ السُّلْطَانَ كَسَرَهُ ثَلَاثَ فِلَقٍ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ نِسَائِهِ ، وَقَسَّمَ بَيْنَ الْأُمَرَاءِ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ قِطَعِ الْبَلْخَشِ وَالْيَاقُوتِ وَالذَّهَبِ وَالْأَثَاثِ وَالْأَمْتِعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَاسْتَمَرَّ الْبَيْعُ فِيمَا بَقِيَ هُنَالِكَ مِنَ الْأَثَاثِ وَالْأَمْتِعَةِ نَحْوًا مِنْ عَشْرِ سِنِينَ وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِبَغْدَادَ مِنْ ذَلِكَ هَدَايَا عَظِيمَةً سَنِيَّةً وَكَذَلِكَ إِلَى الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ جَانِبًا كَبِيرًا صَالِحًا ، وَكَانَ لَا يَدَّخِرُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ ; بَلْ كَانَ يُعْطِي ذَلِكَ كُلَّهُ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْأَصْحَابِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَانَ مِمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى نُورِ الدِّينِ ثَلَاثُ قِطَعٍ بَلْخَشٍ ; زِنَةُ الْوَاحِدَةِ أَحَدٌ وَثَلَاثُونَ مِثْقَالًا وَالْأُخْرَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِثْقَالًا وَالثَّالِثَةُ دُونَهُمَا ، مَعَ لَآلِئَ كَثِيرَةٍ وَسِتُّونَ أَلْفَ دِينَارٍ ، وَعِطْرٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ ، وَمِنْ ذَلِكَ حِمَارَةٌ عَتَّابِيَّةٌ وَفِيلٌ عَظِيمٌ جِدًّا ، فَأُرْسِلَتِ الْحِمَارَةُ إِلَى الْخَلِيفَةِ فِي جُمْلَةِ هَدَايَا وَتُحَفٍ هَائِلَةٍ ، قَالَ ابْنُ أَبِي طَيٍّ : وَوَجَدَ خِزَانَةَ كُتُبٍ لَيْسَ فِي مَدَائِنِ الْإِسْلَامِ لَهَا نَظِيرٌ ; تَشْتَمِلُ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفِ مُجَلَّدٍ قَالَ : وَمِنْ عَجَائِبِ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِهَا أَلْفٌ وَمِائَتَانِ وَعِشْرُونَ نُسْخَةً مِنْ تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ ، كَذَا قَالَ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ كَانْتِ الْكُتُبُ قَرِيبَةً مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ مُجَلَّدٍ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ كَانَ فِيهَا مِنَ الْكُتُبِ بِالْخُطُوطِ الْمَنْسُوبَةِ مِائَةُ أَلْفِ مُجَلَّدٍ ، وَقَدْ تَسَلَّمَهَا الْقَاضِي الْفَاضِلُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا كَثِيرًا مِمَّا اخْتَارَهُ وَانْتَخَبَهُ ، قَالَ وَقَسَمَ الْقَصْرَ الشَّمَالِيَّ بَيْنَ الْأُمَرَاءِ فَسَكَنُوهُ وَأَسْكَنَ أَبَاهُ نَجْمَ الدِّينِ أَيُّوبَ فِي قَصْرٍ عَظِيمٍ عَلَى الْخَلِيجِ ، يُقَالُ لَهُ : اللُّؤْلُؤَةُ الَّذِي فِيهِ بُسْتَانُ الْكِافُورِيِّ وَسَكَنَ أَكْثَرُ الْأُمَرَاءِ فِي دُورِ مَنْ كَانَ يَنْتَمِي إِلَى الْفَاطِمِيِّينَ ، وَلَا يَلْقَى أَحَدٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ أَحَدًا مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا بِهَا إِلَّا شَلَّحُوا ثِيَابَهُ ، وَنَهَبُوا دَارَهُ ، حَتَّى تَمَزَّقَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الْبِلَادِ وَتَفَرَّقُوا شَذَرَ مَذَرَ ، وَصَارُوا أَيَادِيَ سَبَا ، وَقَدْ كَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِ الْفَاطِمِيِّينَ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً وَكَسْرًا ، فَصَارُوا كَأَمْسِ الذَّاهِبِ وَكَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ مَلَكَ مِنْهُمُ الْمَهْدِيُّ ، وَكَانَ مِنْ سَلَمْيَةَ حَدَّادًا اسْمُهُ سَعِيدٌ ، وَكَانَ يَهُودِيًّا فَدَخَلَ بِلَادَ الْمَغْرِبِ وَتَسَمَّى بِعُبَيْدِ اللَّهِ ، وَادَّعَى أَنَّهُ شَرِيفٌ عَلَوِيٌّ فَاطِمِيٌّ ، وَقَالَ : إِنَّهُ الْمَهْدِيُّ ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ سَادَاتِ الْعُلَمَاءِ الْكُبَرَاءِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ سَادَاتِ الْأَئِمَّةِ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ كَمَا قَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الدَّعِيَّ الْكَذَّابَ رَاجَ لَهُ مَا افْتَرَاهُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ ، وَوَازَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ جَهَلَةِ الْعِبَادِ ، وَصَارَتْ لَهُ دَوْلَةٌ وَصَوْلَةٌ ، ثُمَّ تَمَكَّنَ إِلَى أَنْ بَنَى مَدِينَةً سَمَّاهَا الْمَهْدِيَّةَ نِسْبَةً إِلَيْهِ ، وَصَارَ مَلِكًا مُطَاعًا ، يُظْهِرُ الرَّفْضَ وَيَنْطَوِي عَلَى الْكُفْرِ الْمَحْضِ ثُمَّ كَانَ مِنْ بَعْدِهِ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ ، ثُمَّ الْمَنْصُورُ الْمُعِزُّ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ دِيَارَ مِصْرَ مِنْهُمْ وَبُنِيَتْ لَهُ الْقَاهِرَةُ ، ثُمَّ الْعَزِيزُ ثُمَّ الْحَاكِمُ ثُمَّ الظَّاهِرُ ثُمَّ الْمُسْتَنْصِرُ ثُمَّ الْمُسْتَعْلِي ثُمَّ الْآمِرُ ثُمَّ الْحَافِظُ ثُمَّ الظَّافِرُ ثُمَّ الْفَائِزُ ثُمَّ الْعَاضِدُ ، وَهُوَ آخِرُهُمْ ، فَجُمْلَتُهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَلِكًا ، وَمُدَّتَهُمْ مِائَتَانِ وَنَيِّفٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً ، وَكَذَلِكَ عِدَّةُ خُلَفَاءِ بَنَى أُمَيَّةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَيْضًا ; وَلَكِنْ كَانَتْ مُدَّتُهُمْ نَيِّفًا وَتِسْعِينَ سَنَةً ، وَقَدْ نَظَمْتُ أَسْمَاءَ هَؤُلَاءِ بِأُرْجُوزَةٍ تَابِعَةٍ لِأُرْجُوزَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ عِنْدَ انْقِضَاءِ دَوْلَتِهِمْ بِبَغْدَادَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ كَمَا سَيَأْتِي ، وَقَدْ كَانَ الْفَاطِمِيُّونَ أَغْنَىالْخُلَفَاءِ ، وَأَكْثَرَهُمْ مَالًا وَكَانُوا مِنْ أَعْتَى الْخُلَفَاءِ وَأَجْبَرِهِمْ وَأَظْلِمِهِمْ ، وَأَنْجَسِ الْمُلُوكِ سِيرَةً وَأَخْبَثِهِمْ سَرِيرَةً ; ظَهَرَتْ فِي دَوْلَتِهِمُ الْبِدَعُ وَالْمُنْكَرَاتُ ، وَكَثُرَ أَهْلُ الْفَسَادِ ، وَقَلَّ عِنْدَهُمُ الصَّالِحُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ ، وَكَثُرَ بِأَرْضِ الشَّامِ النُّصَيْرِيَّةُ وَالدَّرْزِيَّةُ وَالْحُشَيْشِيَّةُ ، وَتَغَلَّبَ الْفِرِنْجُ عَلَى سَوَاحِلِ الشَّامِ بِكَمَالِهِ ; حَتَّى أَخَذُوا الْقُدْسَ وَنَابُلُسَ وَعَجْلُونَ وَالْغُورَ وَبِلَادَ غَزَّةَ وَعَسْقَلَانَ وَكَرَكَ الشَّوْبَكِ وَطَبَرِيَّةَ وَبَانِيَاسَ وَصُورَ وَعَثْلِيثَ وَصَيْدَا وَبَيْرُوتَ وَعَكًّا وَصَفَدَ وَطَرَابُلُسَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَجَمِيعَ مَا وَالَى ذَلِكَ إِلَى بِلَادِ آيَاسَ وَسِيسَ ، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى بِلَادِ آمِدَ وَالرُّهَا وَرَأْسِ الْعَيْنِ وَبِلَادٍ شَتَّى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَقَتَلُوا خَلْقًا لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ، وَسَبَوْا ذَرَارِيَّ الْمُسْلِمِينَ مِنَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ ، وَكَادُوا أَنْ يَتَغَلَّبُوا عَلَى دِمَشْقَ وَلَكِنْ صَانَهَا اللَّهُ بِعِنَايَتِهِ وَسَلَّمَهَا بِرِعَايَتِهِ ، وَحِينَ زَالَتْ أَيَّامُهُمْ وَانْتَقَضَ إِبْرَامُهُمْ أَعَادَ اللَّهُ هَذِهِ الْبِلَادَ كُلَّهَا إِلَى أَهْلِهَا مِنَ السَّادَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَرَدَّ اللَّهُ الْكَفَرَةَ خَائِبِينَ ، وَأَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا فِي الدُّنْيَا وَيَوْمَ الدِّينِ ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ الْمَعْرُوفُ الْمَدْعُوُّ بِعَرْقَلَةَ أَصْبَحَ الْمُلْكُ بَعْدَ آلِ عَلِيٍّ مُشْرِقًا بِالْمُلُوكِ مِنْ آلِ شَاذِي وَغَدَا الشَّرْقُ يَحْسُدُ الْغَرْبَ لِلْقَوْ مِ فَمِصْرٌ تَزْهُو عَلَى بَغْدَاذِ مَا حَوَوْهَا إِلَّا بِحَزْمٍ وَعَزْمٍ وَصَلِيلِ الْفُولَاذِ فِي الْفُولَاذِ لَا كَفِرْعَوْنَ وَالْعَزِيزِ وَمَنْ كَا نَ بِهَا كَالْخَطِيبِ وَالْأُسْتَاذِ قَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَعْنِي بِالْأُسْتَاذِ : كَافُورَ الْإِخْشِيدِيَّ ، وَقَوْلُهُ : آلُ عَلِيٍّ يَعْنِي الْفَاطِمِيِّينَ وَلَمْ يَكُونُوا فَاطِمِيِّينَ ; وَإِنَّمَا كَانُوا أَدْعِيَاءَ يُنْسَبُونَ إِلَى عُبَيْدٍ ، وَكَانَ اسْمُهُ سَعِيدًا ، وَكَانَ يَهُودِيًّا حَدَّادًا بِسَلَمْيَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِيهِمْ وَطَعْنِهِمْ فِي نَسَبِهِمْ ، قَالَ : وَقَدِ اسْتَقْصَيْتُ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي مُخْتَصَرِ تَارِيخِ دِمَشْقَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ إِلْيَاسَ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الرَّوْضَتَيْنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنْ قَبَائِحِهِمْ ، وَمَا كَانُوا يَجْهَرُونَ بِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ مِنَ الْكُفْرِيَّاتِ وَالْمَصَائِبِ الْمُعَظَّمَاتِ ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ أَنَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فِي غُبُونِ مَا مَشَقْتُهُ مِنْ سِيرَتِهِمْ فِي السِّنِينِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِمَّا يَسُدُّ الْأَسْمَاعَ وَيُنَفِّرُ الطِّبَاعَ ، قَالَ أَبُو شَامَةَ : وَقَدْ أَفْرَدْتُ كِتَابًا سَمَّيْتُهُ كَشْفَ مَا كَانَ عَلَيْهِ بَنُو عُبَيْدٍ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ وَالْمَكْرِ وَالْكَيْدِ ، وَكَذَا صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ كُتُبًا كَثِيرَةً ، مِنْ أَجَلِ مَا وُضِعَ فِي ذَلِكَ : كِتَابُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ الَّذِي سَمَّاهُ كَشْفَ الْأَسْرَارِ وَهَتْكَ الْأَسْتَارِ وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي بَنِي أَيُّوبَ يَمْدَحُهُمْ عَلَى مَا فَعَلُوهُ بِدِيَارِ مِصْرَ : أَلَسْتُمْ مُزْيَلِي دَوْلَةَ الْكُفْرِ مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ بِمِصْرَ إِنَّ هَذَا هُوَ الْفَضْلُ زَنَادِقَةٌ شِيعِيَّةٌ بَاطِنِيَّةٌ مَجُوسٌ وَمَا فِي الصَّالِحِينَ لَهُمْ أَصْلُ يُسَرُّونَ كُفْرًا يُظْهِرُونَ تَشَيُّعًا لِيَسْتَتِرُوا شَيْئًا وَعَمَّهُمُ الْجَهْلُ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَسْقَطَ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ الْمُكُوسَ وَالضَّرَائِبَ ، وَقُرِئَ الْمَنْشُورُ بِذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ثَالِثَ صَفَرٍ ، وَفِيهَا حَصَلَتْ نُفْرَةٌ بَيْنَ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ وَالْمَلِكِ النَّاصِرِ صَلَاحِ الدِّينِ ، وَذَلِكَ أَنَّ نُورَ الدِّينِ غَزَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِلَادَ الْفِرِنْجِ فِي السَّوَاحِلِ ، فَأَحَلَّ بِهِمْ بَأْسًا شَدِيدًا ، وَقَرَّرَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْهُ نِقْمَةً وَوَعِيدًا ، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى مُحَاصَرَةِ الْكَرَكِ ، وَكَتَبَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ يَلْتَقِيهِ بِالْعَسَاكِرِ الْمِصْرِيَّةِ إِلَى بِلَادِ الْكَرَكِ ; لِيَجْتَمِعَا هُنَالِكَ عَلَى الْمَصَالِحِ فِيمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَتَوَهَّمَ مِنْ ذَلِكَ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ وَخَافَ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الْأَمْرِ غَائِلَةٌ يَزُولُ بِهَا مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ التَّمْكِينِ ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ رَكِبَ فِي جَيْشِهِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ لِيَقْصِدَ امْتِثَالَ الْمَرْسُومِ ، فَسَارَ أَيَّامًا ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا مُعْتَلًّا بِقِلَّةِ الظَّهْرِ ، وَالْخَوْفِ عَلَى اخْتِلَالِ الْأُمُورِ إِذَا بَعُدَ عَنْ مِصْرَ وَاشْتَغَلَ عَنْهَا ، وَأَرْسَلَ يَعْتَذِرُ بِذَلِكَ إِلَى السُّلْطَانِ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِ ، وَعَزَمَ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَانْتِزَاعِهَا مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ ، وَتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ وَلَمَّا بَلَغَ هَذَا الْخَبَرُ صَلَاحَ الدِّينِ ضَاقَ بِذَلِكَ ذَرْعُهُ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْأُمَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ فَبَادَرَ ابْنُ أَخِيهِ تَقِيُّ الدِّينِ عَمَرُ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَوْ قَصَدَنَا نُورُ الدِّينِ لَنُقَاتِلَنَّهُ ، فَشَتَمَهُ الْأَمِيرُ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ وَالِدُ الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ وَأَسْكَتَهُ ثُمَّ قَالَ لِابْنِهِ اسْمَعْ مَا أَقُولُ لَكَ : وَاللَّهِ مَا هَاهُنَا أَحَدٌ أَشْفَقُ عَلَيْكَ مِنِّي وَمِنْ خَالِكَ هَذَا ، يَعْنِي شِهَابَ الدِّينِ الْحَارِمِيَّ ، وَلَوْ رَأَيْنَا نُورَ الدِّينِ لَبَادَرْنَا إِلَيْهِ وَلَقَبَّلْنَا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأُمَرَاءِ ، وَلَوْ كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أَبْعَثَكَ إِلَيْهِ مَعَ نَجَّابٍ لَفَعَلْتُ ، ثُمَّ أَمَرَ مَنْ هُنَالِكَ بِالِانْصِرَافِ وَالذَّهَابِ ، فَلَمَّا خَلَا بِابْنِهِ ، قَالَ لَهُ : أَمَا لَكَ عَقْلٌ ؟ تَذْكُرُ مِثْلَ هَذَا بِحَضْرَةِ هَؤُلَاءِ ، فَيَقُولُ عُمْرُ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ فَتُقِرُّهُ عَلَيْهِ فَلَا يَبْقَى عِنْدَ نُورِ الدِّينِ أَهَمُّ مِنْ قَصْدِكَ وَقِتَالِكَ ، وَلَوْ قَدْ رَآهُ هَؤُلَاءِ لَمْ يَبْقَ مَعَكَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَلَكِنِ ابْعَثْ إِلَيْهِ ، وَتَرَفَّقْ لَهُ ، وَتَوَاضَعْ عِنْدَهُ ، وَقُلْ لَهُ : وَأَيُّ حَاجَةٍ إِلَى مَجِيءِ مَوْلَانَا ؟ ابْعَثْ إِلَيَّ بِنَجَّابٍ حَتَّى أَجِيءَ مَعَهُ إِلَى بَيْنِ يَدَيْكَ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ ، فَلَمَّا سَمِعَ نُورُ الدِّينِ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ لَانَ قَلْبُهُ لَهُ ، وَانْصَرَفَتْ هِمَّتُهُ عَنْهُ ، وَاشْتَغَلَ بِغَيْرِهِ ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ، وَفِيهَا اتَّخَذَ نُورُ الدِّينِ الْحَمَامَ الْهَوَادِيَ ; وَذَلِكَ لِامْتِدَادِ مَمْلَكَتِهِ وَاتِّسَاعِهَا ، فَإِنَّهُ مَلَكَ مِنْ حَدِّ النُّوبَةِ إِلَى هَمَذَانَ ، لَا يَتَخَلَّلُهَا إِلَّا بِلَادُ الْفِرِنْجِ ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَكُلُّهُمْ تَحْتَ قَهْرِهِ وَهُدْنَتِهِ ، فَلِذَلِكَ اتَّخَذَ فِي كُلِّ قَلْعَةٍ وَحِصْنٍ الْحَمَامَ الَّتِي تَحْمِلُ الرَّسَائِلَ إِلَى الْآفَاقِ فِي أَسْرَعِ مُدَّةٍ وَأَيْسَرِ عُدَّةٍ ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ فِيهِنَّ الْقَاضِي الْفَاضِلُ : الْحَمَامُ مَلَائِكَةُ الْمُلُوكِ ، وَقَدْ أَطْنَبَ فِي ذَلِكَ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ وَأَطْرَبَ وَأَعْجَبَ وَأَغْرَبَ .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية