الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال المزني رضي الله عنه : " وأدخل الشافعي رحمه الله تعالى على من قال : إن كان ما خلط باللبن أغلب لم يحرم ، وإن كان اللبن الأغلب حرم ، فقال : أرأيت لو خلط حراما بطعام وكان مستهلكا في الطعام ، أما يحرم فكذلك اللبن " . قال الماوردي : وهذا كما قال : إذا شيب اللبن بمائع اختلط به من ماء أو خل أو خمر ثبت به التحريم غالبا كان أو مغلوبا ، وكذلك لو شيب اللبن بجامد كالدقيق والعصيد فأكله ثبت به التحريم غالبا كان أو مغلوبا . وقال أبو حنيفة : إن اختلط بمائع نشر الحرمة إن كان غالبا ، ولم ينشر الحرمة إن كان مغلوبا ، وإن اختلط بجامد لم ينشر الحرمة سواء كان غالبا أو مغلوبا . وقال أبو يوسف ، ومحمد : نشر الحرمة إذا كان غالبا سواء اختلط بمائع أو بجامد ، ولا ينشر الحرمة إن كان مغلوبا وحكى المزني نحوه استدلالا على اعتبار [ ص: 374 ] الغلبة ، فإن اللبن إذا كان مغلوبا صار مستهلكا بما غلب عليه ، وزال عنه الاسم ، وارتفع عنه الحكم . أما زوال اسمه ؛ فلأن رجلا لو حلف لا يشرب اللبن فغلب عليه الماء لم يحنث بشربه . وأما ارتفاع حكمه ؛ فلأن الخمر لو كان مغلوبا في الماء لم يجب الحد بشربه ، ولو كان الطيب مغلوبا في الماء لم يفد المحرم باستعماله ، فإذا زال عن المغلوب اسمه ، وحكمه لم يجز أن يثبت بمغلوب اللبن تحريم الرضاع لما فيه من ذهاب اسمه ، وحكمه ، ودليلنا هو أن تحريم اللبن إذا كان خالصا يتعلق به فتعلق به إذا كان مختلطا قياسا عليه إذا كان غالبا ؛ ولأن كل ممازجة تسلب حكم اللبن إذا كان غالبا لم تسلب حكمه إذا كان مغلوبا . دليله إذا خلط لبن آدمية بلبن بهيمة فإنهم يوافقون على ثبوت التحريم ، وإن كان لبن البهيمة أكثر ؛ ولأن كل ما تعلق به التحريم غالبا تعلق به مغلوبا كالنجاسة في قليل الماء ؛ ولأن اختلاط اللبن بالماء قبل دخوله فمه كاختلاطه به في فمه ، ولو اختلط به في فمه ثبت به التحريم وإن كان مغلوبا ، كذلك إذا اختلط قبل دخوله فمه . فأما استدلالهم بزوال اسمه الموجب لارتفاع حكمه ، فالجواب عنه من وجهين : أحدهما : أن مطلق الاسم يتناول الخالص دون الغالب ، ثم لا يقتضي زوال الاسم عنه إذا كان غالبا من وقوع التحريم به كذلك إذا كان مغلوبا . والثاني : أن الحكم متعلق بالمعنى دون الاسم ، والمعنى حصول اللبن في جوفه ، وقد حصل بالامتزاج غالبا ومغلوبا كالنجاسة إذا غلب الماء عليها ثبت حكمها مع زوال اسمها . فأما سقوط الحد بمغلوب الخمر دون غالبه ، فلأن الحدود تدرأ بالشبهات . فأما سقوط الفدية بمستهلك الطيب في الماء فلزوال الاستمتاع به . وأما سقوط الكفارة عن الحالف فلأن الأيمان محمولة على العرف .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية