الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            [ القول في نفقة الوالدين ]

                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإذا لم يجز أن يضيع شيئا منه فكذلك هو من ابنه إذا كان الوالد زمنا لا يغني نفسه ولا عياله ، ولا حرفة له ، فينفق عليه ولده وولد ولده وإن سفلوا ؛ لأنهم ولد ، وحق الوالد على الولد أعظم " . قال الماوردي : نفقة الوالد واجبة على ولده ، كما وجبت نفقة الولد على والده على ما سنوضحه من شروط الوجوب لقول الله - عز وجل - : ( وصاحبهما في الدنيا معروفا ) [ لقمان : 15 ] فكان من المعروف القيام بكفايتهما ، وقال - تعالى - : ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ) [ العنكبوت : 8 ] ، ومن الإحسان إليهما النفقة عليهما ، وقال - تعالى - : ( فلا تقل لهما أف ) [ الإسراء : 23 ] ، مبالغة في برهما ، وقال - عز وجل - : ( ما أغنى عنه ماله وما كسب ) [ المسد : 2 ] ، يعني ولده ، وروى الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عائشة - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه ، إن ولده من كسبه " .

                                                                                                                                            وروي أنه قال : " فكلوا من أطيب كسبكم " .

                                                                                                                                            وروى حماد ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أولادكم هبة من الله لكم يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ذكرانا ، وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها " .

                                                                                                                                            وروى محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن لي مالا وعيالا ، ولأبي مال وعيال ، ويريد أن يأخذ مالي فقال - صلى الله عليه وسلم - : " أنت ومالك [ ص: 487 ] لأبيك " ؛ ولأن حق الوالد أعظم من حق الولد ؛ لأنه لا يقاد بقتله ، ولا يحد بقذفه ، فلما وجبت عليه نفقة ولده ، كان أولى أن تجب نفقته على ولده .

                                                                                                                                            فصل : فإذا تقرر وجوب نفقة الوالد على ولده فكذلك نفقة الجد وإن علا ونفقة الأم والجدات وإن علون .

                                                                                                                                            وقال مالك : لا يلزمه أن ينفق إلا على والده وحده ، ولا يلزمه أن ينفق على جده ولا على أمه ، كما لم يوجب نفقة الولد على جده ولا على أمه ، وهذا خطأ قطع به التواصل ، وخالف فيه الجمهور ، مع قوله - تعالى - : ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) [ الإسراء : 23 ] ، مبالغة في الحث على برهما .

                                                                                                                                            وروي أن رجلا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ! من أبر ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أباك حقا واجبا ورحما موصولا . فوصاه بالأم ثلاثا ، ووصاه بالأب في الرابعة ، ولأن الأم لتفردها بثقل الحمل ، ومشاق الولادة ، وقيامها بالرضاعة والتربية - أوجب حقا من الأب ، وأظهر منه عجزا ، فكانت باستحقاق النفقة أحق ، وبالتوافر على برها ألزم ؛ ولأنه لما استوى طرف الأباء والأمهات والأجداد والجدات في عتقهم بالملك وسقوط القود عنهم بالقتل لوجود البعضية مساواة للأب وجب أن يكونوا في استحقاق النفقة كذلك - والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية