الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " ولو قال : أنت أزنى من فلانة أو أزنى الناس لم يكن هذا قذفا إلا أن يريد به قذفا " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهاتان مسألتان :

                                                                                                                                            إحداهما : أن يقول : أنت أزنى من فلانة . قال الشافعي : لم يكن قذفا إلا أن يريد به قذفا فجعله من ألفاظ الكنايات في زوجته وفي فلانة المشبه بها ، وتابعه أصحابنا على هذا الجواب .

                                                                                                                                            وقالوا : يسأل الزوج وينوي ، فإن قال : أردت أنك أزنى من فلانة الزانية كان قاذفا لها ولفلانة وعليه لهما حدان ، ولإن قال : أردت أنك أزنى من فلانة ، وليست فلانة زانية ، لم يكن قذفا لهما جميعا ؛ لأن التشبه يقتضي تساويهما في الصفة وقد نفى الزنا عن فلانة فصار منفيا عن الزوجة ، وإن لم يكن له إرادة لم يكن قذفا ؛ لأن لفظ الكناية المنوي فيه يسقط حكمه مع عدم النية ، فهذا ما قاله الشافعي وتابعه أصحابنا على شرحه ، والصحيح عندي أنه يكون قذفا صريحا في زوجته ، وكناية في قذف فلانة ، أما كونه قذفا صريحا لزوجته فلأنه قد صرح فيها بلفظ الزنا وأدخل ألف المبالغة زيادة في تأكيد القذف كما دخلت ألف المبالغة في أكثر مبالغة في التعظيم ، فكانت إن لم تزده في هذا القذف شرا لم تفده خيرا .

                                                                                                                                            [ ص: 103 ] وقد قال الشاعر :


                                                                                                                                            هو أزناهما بظنون أفالي س ممن يقاد بالتقليد



                                                                                                                                            فرأى الناس ذلك قذفا للأم ، ولهذا الشعر حديث في هجاء بعض الأمراء قتل به الشاعر ، فوضح بما ذكرته أنه صريح في قذف زوجته يحد فيه ولا ينوي ، وأما فلانة التي جعل زوجته أزنى منها ، فيحتمل من لفظه فيها أحد أمرين ، إما الاشتراك وإما السلب ، فالاشتراك كقولهم : زيد أعلم من عمرو فيكون شريكا بينهما في العلم وتفضيلا لزيد على عمرو فيه ، وأما السلب فكقول الله تعالى : أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا [ الفرقان : 24 ] . فكان ذلك سلبا للخير عن أهل النار ؛ لأنه لا خير لهم فيها ، وإذا احتمل لفظه في فلانة الاشتراك والسلب صار كناية يرجع فيه إلى إرادته ، فإن أراد الجمع والتشريك كان قذفا ، وإن أراد به السلب والنفي لم يكن قذفا ، وكذلك لو لم تكن له إرادة .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية