الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة الْوَاقِفُ : الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ مِنَ الشَّرْعِ ، فَلَا حُكْمَ قَبْلَهُ ، وَالْعَقْلُ مُعَرِّفٌ لَا حَاكِمٌ . شرح مختصر الروضة قَوْلُهُ : " الْوَاقِفُ " أَيْ : حُجَّةُ الْوَاقِفِ عَلَى تَوَقُّفِهِ عَنِ الْجَزْمِ بِإِبَاحَةٍ أَوْ حَظْرٍ ، هُوَ أَنَّ " الْحَظْرَ وَالْإِبَاحَةَ مِنَ الشَّرْعِ فَلَا حُكْمَ قَبْلَهُ " . أَمَّا أَنَّ الْحَظْرَ وَالْإِبَاحَةَ مِنَ الشَّرْعِ ، فَلِأَنَّ مَعْنَى الْحَظْرِ قَوْلُ الشَّارِعِ : حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ هَذَا ، أَوْ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ ، وَمَعْنَى الْإِبَاحَةِ قَوْلُهُ : أَبَحْتُ لَكُمْ هَذَا ، أَوْ أَنْتُمْ مُخَيَّرُونَ فِي فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ ، كَمَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَهُ ، فَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا قَبْلَ الشَّرْعِ ، وَبِالضَّرُورَةِ إِذْ لَا حَاكِمَ ، فَلَا حُكْمَ ، وَإِذْ لَا قَائِلَ ، فَلَا قَوْلَ . قَوْلُهُ : " وَالْعَقْلُ مُعَرِّفٌ لَا حَاكِمٌ " ، هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَظْرَ وَالْإِبَاحَةَ لَا يَكُونَانِ إِلَّا مِنَ الشَّرْعِ ، بَلْ قَدْ جَازَ أَنْ يَصْدُرَا عَنِ الْعَقْلِ قَبْلَ الشَّرْعِ كَمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ . فَأَجَبْتُ : بِأَنَّ هَذَا بِنَاءٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ قَبْلَ الشَّرْعِ حَاكِمٌ ، وَنَحْنُ نَمْنَعُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُعَرِّفٌ ، أَيْ : هَادٍ وَمُرْشِدٌ إِلَى فَهْمِ الْخِطَابِ . وَوَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ وَنَحْوِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مُقْتَضَيَاتِ الْأَحْكَامِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ، لَا أَنَّهُ حَاكِمٌ بِهَا مُثْبِتٌ لَهَا قَبْلَ الشَّرْعِ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ فِي سِيَاقِ هَذَا الْكَلَامِ ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي كُنَّا وَعْدَنَا بِذِكْرِهِ فِيهِ لِتَعَرُّضِنَا بِهِ هَاهُنَا . ثُمَّ إِنَّ الْوَاقِفِيَّةَ تَارَةً يُفَسِّرُونَ الْوَقْفَ بِأَنَّهُ لَا حُكْمَ أَصْلًا ، فَنَقِفُ حَتَّى يَرِدَ الْحُكْمُ مِنْ حَاكِمِ الشَّرْعِ ، وَهَذَا الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ . وَتَارَةً يُفَسِّرُونَ الْوَقْفَ بِأَنَّ هُنَاكَ حُكْمًا لَا نَعْلَمُ مَا هُوَ فَنَقِفُ حَتَّى يَظْهَرَ لَنَا عَيْنُهُ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَيَرُدُّ عَلَى حُجَّةِ الْوَاقِفِيَّةِ الْمُعَارَضَةِ بِحُجَّةِ الْحَاظِرِ وَالْمُبِيحِ . وَالْمُخْتَارُ : الْقَوْلُ بِالْإِبَاحَةِ قَبْلَ الشَّرْعِ - وَهُوَ وَفْقُ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ : الْأَصْلُ فِي الْأَطْعِمَةِ وَنَحْوِهَا الْحِلُّ - لَيْسَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى تَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ ، بَلِ الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاسْتِدْلَالُ . أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [ الْبَقَرَةِ : 29 ] ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ إِلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [ الْجَاثِيَةِ : 12 - 13 ] ، وَنَظَائِرُهَا مِنَ الْآيَاتِ . وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَخْبَرَهُمْ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ عَلَيْهِمْ ، وَتَذْكِيرِهِمُ النِّعْمَةَ ، أَنَّهُ خَلَقَ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَسَخَّرَهُ لَهُمْ ، وَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ أَوِ الْمِلْكِ إِذَا صَادَفَتْ قَابِلًا لَهُ ، وَالْخَلْقُ قَابَلُونِ لِلْمِلْكِ ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَخْصِيصٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُمْ بِانْتِفَاعِهِمْ بِهِ ، إِذْ لَا مَالِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ مَتَى اجْتَمَعُوا وَمَا خَلَقَ وَسَخَّرَ لَهُمْ فِي الْوُجُودِ ، مَلَكُوهُ ، وَإِذَا مَلَكُوهُ ، جَازَ انْتِفَاعُهُمْ ، إِذْ فَائِدَةُ الْمُلْكِ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ . وَأَمَّا السُّنَّةُ : فَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى النَّاسِ ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ . وَهَذَا ظَاهِرٌ - إِنْ لَمْ يَكُنْ قَاطِعًا - فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْحِلُّ ، وَالتَّحْرِيمُ عَارِضٌ ، وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ ، فَقَالَ : الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَى عَنْهُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ . وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ فِيمَا سَبَقَ ، وَهُوَ - وَإِنْ عُورِضَ بِمَا ذَكَرَ - يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُؤَكِّدًا لِمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَفْعَالَ قَبْلَ الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، وَأَنَّ الْمَدْرَكَ لِذَلِكَ سَمْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية