الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 305 ]

                قلنا : مبني على وجوب رعاية الأصلح ، وعلى أن الحسن والقبح ذاتيان ، أو بصفة ، وهما ممنوعان ، بل ذلك شرعي ، فللشرع فعل ما شاء من تخصيص وإبهام .

                التالي السابق


                قوله : " قلنا : مبني " أي : قلنا هذا الدليل مبني على أصلين ممنوعين :

                أحدهما : وجوب رعاية الأصلح للعباد على الله سبحانه وتعالى ، وهو أصل ممنوع عندنا ، ويكفينا منعه في إبطال دليلكم المذكور ، وإن تبرعنا بمستند المنع ، فيدل على بطلان رعاية الأصلح أنها لو وجبت على الله تعالى للزم أن خلق الكفار ، وتسليط الشيطان المضل ، والشهوات المستميلة لهم إلى الكفر والفسوق ، وافتقار الفقراء منهم ، وتخليد الجميع في النار ، أصلح لهم ، وهو باطل بالضرورة ، وقد اضطر بعض المعتزلة في تمشية هذا الأصل إلى أن التزم أن تخليد الكفار في النار أصلح لهم . ومذهب ينتهي إلى هذا الفساد لا يستحق جوابا . وحينئذ نقول : لا نسلم أن القصد من التكليف بخصال الواجب المخير مصلحة المكلف ، حتى ينظر : هل تستوي في حصوله مصلحته أو تتفاوت ؟ بل القصد من ذلك التعبد المحض . وإن سلمنا أن المقصود منه مصلحة المكلف ، وجوبا على قولهم ، أو تفضلا على قولنا ، لكن لا نلتزم أنها استوت في حصول أصل المصلحة .

                وفوض الله سبحانه وتعالى إلى المكلف اختيار بعضها ، فكان ذلك التفويض [ ص: 306 ] هو المرجح ، فلا يلزم الترجيح من غير مرجح ، ودل على التفويض المذكور ورود النص بلفظ " أو " المقتضية للتخيير في اللسان .

                الأصل الثاني : أن حسن الفعل وقبح الفعل عندهم ذاتيان بصفة . أي : أن الأفعال عندهم ، منها ما هو حسن لمعنى ، أو وصف قائم به اقتضى كونه حسنا ، ومنها ما هو قبيح لوصف قام به اقتضى أحدهما حسن الصدق والآخر قبح الكذب . ولما كان من مذهبهم هذا ، اقتضى عندهم أن خصال الواجب المخير ، لا بد وأن تقوم بها أوصاف تقتضي حسنها ، فإن تساوت في تلك الصفات تساوت في الحسن ، وتحصيل المصلحة ، فيلزم إيجاب جميعها ، وإن تفاوتت في صفاتها ، تعين منها الأرجح الأصلح كما سبق تقريره .

                وهذا الأصل ممنوع أيضا عندنا ، بل حسن الأفعال وقبحها مستفاد من أمر الشرع ونهيه ، لا من ذواتها ، ولا من صفات قامت بها . وهذا معنى قوله : " بل ذلك " يعني : الحسن والقبح " شرعي " " فللشرع فعل ما شاء من تخصيص وإبهام " أي : من تعيين الواجب والتخيير فيه ، ولهذا مزيد تحقيق في آخر هذا الفصل إن شاء الله تعالى .

                تنبيه : قولنا على الحسن والقبح : ذاتيان بصفة ، هو منقول ثابت عن [ ص: 307 ] الأصوليين ، وفيه تناقض ننبه عليه إن شاء الله تعالى ، وذلك أن المعتزلة والكرامية والبراهمة قالوا : الأفعال حسنة أو قبيحة لذاتها ، ثم اختلفوا ، فقال بعضهم : هي كذلك من غير صفة ، وقال بعضهم : بل هي كذلك بصفة كما شرحنا . وقال آخرون : هي قبيحة بصفة قامت بها ، وهي حسنة لذاتها بغير صفة ، والقولان الأخيران يلزمهما التناقض ، وذلك لأن معنى قولنا : هذا قبيح أو حسن لذاته أن علة قبحه وحسنه ذاته وحقيقته ، ومعنى قولنا : هذا حسن أو قبيح بصفة ، أن علة حسنه أو قبحه صفة قامت به ، فقولنا مثلا : الكذب قبيح لذاته ، أي : هو قبيح لكونه كذبا ، وإذا قلنا هو قبيح بصفة ، معناه : هو قبيح لقيام صفة به أوجبت كونه قبيحا ، وهؤلاء يقولون : الأفعال قبيحة لذاتها بصفة ، وإسنادهم القبح إليها حكم عقلي ، وقد جعلوا له علتين : ذوات الأفعال وصفاتها القائمة بها ، والحكم العقلي لا تتعدد علته ، ولا يجتمع على أثر واحد مؤثران عقلا لما تقرر في علم الكلام .

                وحينئذ يقال : إن كانت الأفعال قبيحة لذاتها ولصفة قامت بها ، فهو تناقض ، وإثبات الشيء مع ما يقتضي عدمه . وعلى هذا فالصواب في عبارة المختصر أن يقال : " على أن الحسن والقبح ذاتيان أو بصفة " بلفظ " أو " وتكون لتنويع مذهبهم إلى أن الأفعال حسنة أو قبيحة لذاتها ، وإلى أنها كذلك لأوصاف قامت بها . اللهم إلا أن يقال : ما ذكرتموه من التناقض إنما يلزم لو قلنا : الأفعال قبيحة لذاتها ولصفة ، [ ص: 308 ] ونحن إنما قلنا : هي قبيحة لذاتها بصفة بالباء لا باللام المفيدة للتعليل ، وحينئذ يجوز أن تكون علة قبحها ذاتها . والصفة القائمة بها شرط ، لا علة ثابتة ، ولا يجتمع على الأثر مؤثران ، فلا يلزم التناقض ، وهذا اعتذار جيد عن السؤال المذكور ، فتصح عبارة المختصر على ما هي عليه .

                قلت : وأجاب الشيخ أبو محمد عن أصل دليلهم المذكور بجواب آخر ، وهو أن تساوي الخصال في المصلحة ، على تقدير تسليمه ، يمنع من تعيين بعضها ، للزوم الترجيح من غير مرجح ، وحصول المصلحة بواحد منها يمنع من إيجاب ما فوقه ، لأنه ضرر محض ، حصلت المصلحة بدونه . فتعين أن الواجب واحد غير معين .

                قلت : وليس للخصم هنا إلا منع حصول المصلحة بواحد ، لكنه بعيد لا سبيل إليه ، للإجماع عليه في الكفارة .




                الخدمات العلمية