الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 571 ]

                ورد بأن السابق إلى فهمنا وفهم الصحابة رضي الله عنهم من المفارقة التسريح ، لا ترك النكاح ، وبأنه فوض إليه ذلك مستقلا به ، وابتداء النكاح لا يستقل به ، بل لا بد من رضى المرأة ، وبأن ابتداء النكاح لا يختص بهن ، فكان ينبغي أن يقول : انكح أربعا ممن شئت ، فهذه قرائن تدفع تأويلهم .

                التالي السابق


                قوله : " ورد " ، أي : تأويل الحنفية المذكور بوجوه دل عليها الحديث :

                أحدها : أن السابق إلى فهمنا وفهم الصحابة رضي الله عنهم من الإمساك الاستدامة ، لا ابتداء النكاح ، ومن المفارقة التسريح ، لا ترك النكاح ، فيكون هذا مدلول اللفظ ومقتضاه ، والدليل على أن [ هذا ] السابق إلى فهمنا من الحديث ، ذلك الوجدان منا ، والتأويل من الحنفية ، إذ لو لم يكن ظاهرا فيما قلناه ، لما احتاجوا إلى تأويله ، وإذا ثبت أن السابق إلى فهمنا من الحديث ذلك الوجدان ، ثبت أنه السابق إلى فهم الصحابة ، لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان ، وعدم التغيير في الألفاظ والموضوعات .

                الوجه الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم فوض ذلك - يعني الإمساك والفراق - إلى غيلان مستقلا به ، حيث قال : أمسك وفارق ، ولو كان المراد به ابتداء لنكاح ، لما استقل به بالاتفاق ، إذ لا بد من رضى الزوجة ، ومن الولي عندنا ، فكان يجب أن يقول : أمسك أربعا منهن إن رضين ، ويبين له شرائط النكاح ، لأن ذلك بيان في وقت الحاجة إليه ، فلا يجوز تأخيره ، كما قرر في موضعه ، خصوصا لمن هو حديث عهد [ ص: 572 ] بجاهلية ، دخل في الإسلام ، فهو أحوج إلى البيان .

                الوجه الثالث : أن تقدير الكلام على قولهم : انكح أربعا منهن ، واترك نكاح سائرهن ، أي : ولا تنكح سائرهن ، والأمر دائر بين الوجوب والندب ، والنهي دائر بين الكراهة والحظر ، وابتداء النكاح لا يختص بالنسوة اللاتي أسلم عليهن وجوبا ولا ندبا ، بل هن كغيرهن فيه ، فكان ينبغي أن يقول : انكح أربعا ممن شئت ، لئلا يتوهم أنه مأمور بالنكاح منهن وجوبا أو ندبا ، وليس الحكم في نفس الأمر كذلك ، فكان يكون إبهاما في الدين ، وتلبيسا على المسلمين ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث للإيضاح والتبيين ، وكذلك البواقي بعد نكاح الأربع ، لا اختصاص لهن بالنهي عن نكاحهن ، وهو موهم ذله ، خصوصا عند من يرى مفهوم اللقب ، فيكون اختصاصهن بالنهي عن نكاحهن مخالفا للإجماع ، لانعقاده على تحريم من سوى الأربع اللاتي أمسكن بالنكاح .

                فهذه قرائن احتفت بالحديث تدفع تأويل الحنفية المذكور ، وتبين أن المراد من الحديث ما فهمه الجمهور من أن الإمساك : الاستدامة ، والمفارقة : التسريح .

                وما يقولونه : من أنه ليس بعض النسوة أولى بالإمساك من بعض مردود ، بأن الأولى به منهن من اختاره الزوج ، واختياره هو المرجح ، وما فصلوه من أنه إن كان عقد عليهن معا بطل نكاحهن ، وإن كان عقد متعاقبا ، أمسك الأولى فالأولى منهن ، [ ص: 573 ] مردود بقوله عليه السلام لفيروز الديلمي وقد أسلم على أختين : أمسك أيتهما شئت وفارق الأخرى ، وقد بينا أن الإمساك ظاهر في الاستدامة ، مع المعية في العقد ، وإن كان عقد عليهما متعاقبتان ، فقد خيره في إمساك أيتهما شاء ، ولم يعين له الأولى . فالنصوص مخالفة لقولهم بكل حال .

                واعلم أن مثار النزاع في المسألة هو أن الإمساك هو الحفظ للشيء ، لكونه لا بد له من آلة يحصل بها الإمساك ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره بالإمساك وأمسك عن آلته التي يحصل بها ، إذ الإمساك - الذي هو هاهنا حفظ نكاح الأربع - يصح حصوله بالاستدامة ، والاستبقاء ، والاستصحاب كما قلناه ، ويصح حصوله بابتداء النكاح كما قالوه ، لكن ما ذكرناه أولى ، لما سبق ، ولأنه لا يحتاج إلى تقدير بطلان النكاح ، ثم تصحيحه بابتداء عقده عليهن ، وعلى ما قالوه يحتاج إلى ذلك ، وهو من ضرورته ، فكان ما قلناه كاللفظ المستقل بنفسه ، بدون إضمار ، وما ذكروه كاللفظ الذي لا يتم إلا بإضمار ، ولا نزاع في أن الأول أولى ، فكان ما أشبهه في مسألتنا أولى ، وهو تأويلنا .

                قال الغزالي : والإنصاف أن ذلك ، يعني تأويل الظواهر ، يختلف باختلاف أحوال المجتهدين ، وإلا فلسنا نقطع ببطلان تأويل أبي حنيفة رحمه الله مع هذه القرائن ، وإنما المقصود تذليل الطريق للمجتهدين ، والله سبحانه وتعالى أعلم .




                الخدمات العلمية