مختصر الروضة
[ ص: 80 ]
وأن ترزقني العلم وتوفقني للعمل ، وتبلغني منهما نهاية السول وغاية الأمل ، وتفسح لي في المدة وتنسأ لي في الأجل ، في حسن دين وإصلاح شأن .
شرح مختصر الروضة
قوله : " وأن ترزقني العلم ، وتوفقني للعمل ، وتبلغني منهما نهاية السول وغاية الأمل ، وتفسح لي في المدة ، وتنسأ لي في الأجل ، في حسن دين وإصلاح شأن " .
هذا عطف على قوله : أن تصلي ، فيما سبق ، أي : وأسألك أن تصلي على سيد أصفيائك ، وأسألك أن ترزقني التوفيق ، وهو التيسير لما يوافق ، وذلك بتحقيق الدواعي ، وإزالة العوائق ، ولا شك أن حصول العلم والتوفيق للعمل به هو الصراط المستقيم ، والمنهج القويم إلى السعادة الأبدية في جنات النعيم .
والعلم يجب أن يكون مقدما لأنه يحرس العمل عن الفساد والاختلال ، والعمل نتيجة العلم ومقصوده وثمرته ، وهو الاستقامة المفضية إلى الخلود في دار المقامة ، قال سبحانه وتعالى : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة إلى قوله تعالى : نزلا من غفور رحيم [ فصلت : 30 - 32 ] فحقيقة الاستقامة : فعل المأمورات ، وترك المنهيات ، وإنما تتحقق معرفة ذلك بالعلم ، فعلم بلا عمل عقيم ، وعمل بلا علم سقيم غير مستقيم ، وللخطيب البغدادي كتاب سماه : " اقتضاء العلم العمل " ذكر فيه كثيرا من الترغيب والترهيب المتعلق بالعلم والعمل ذكرت جملة صالحة منه في كتاب : " الآداب الشرعية " فإذا شئت انظر هناك . [ ص: 81 ]
ولما كان العلم والعمل مما لا يستغني العاقل عنهما ، لأن العلم زينة النفس وكمالها وحليتها في الدنيا والآخرة ، والعمل سبب سلامتها في معادها ، وحلولها بالمراتب الفاخرة ، سأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغه منهما نهاية سؤله ، وغاية أمله . ونهاية الشيء وغايته : عبارة عن آخره وموضع انقطاعه . ولما كان الإنسان مخلوقا متناهيا كان أمله كذلك ، والسؤل مهموزا : ما يسأله الإنسان ، وقرئ : قد أوتيت سؤلك يا موسى [ طه : 36 ] بالهمز . ولما صح وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أن رجلا سأله عن خير الناس فقال : من طال عمره ، وحسن عمله " . وعن شر الناس ، فقال : من طال عمره وساء عمله رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .
وكان ذلك أيضا متقررا في العقول الصحيحة ضرورة ، أو بواسطة النظر ، لأن الإنسان إما أن يطول عمره أو يقصر ، وعلى هذين التقديرين إما أن يسوء عمله أو يحسن ، فهي أربعة أقسام ، خيرها من طال عمره وحسن عمله ، وشرها من طال عمره وساء عمله ، وبينهما واسطتان ، خيرهما من قصر عمره وحسن عمله ، وشرهما من قصر عمره وساء عمله ، سألت الله سبحانه وتعالى أن يجعلني من خير هذه الأقسام بطول العمر مع حسن الدين وصلاح الشأن . [ ص: 82 ]
ومعنى تفسح : توسع ، والفسحة بضم الفاء : السعة ، ومنه ( تفسحوا في المجلس ) [ المجادلة : 11 ] ، والمدة : الزمن الممتد ، والمراد ههنا زمن الحياة .
وتنسأ - بفتح السين - : تؤخر ، ومنه النسيئة : البيع بتأخير الثمن ، وقوله تعالى : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت ) [ البقرة : 106 ] أي : نؤخر نسخها فلا ننسخها ، والأجل : نهاية المدة ، ومنه أجل الدين ، أي آخر مدة تأخيره ، وأجل الحي كذلك ، قال الله تعالى : ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون [ الأعراف : 34 ] . والدين يشمل أصول الشريعة وفروعها ، علمها وعملها ، فهو متعلق الإيمان والإسلام ، فنسأل الله سبحانه وتعالى تأخير المدة في حسن اعتقاد وعمل .
والشأن : الأمر والحال ، والمراد إصلاح كل ما يعنيه .


