الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

بسم الله الرحمن الرحيم

صلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي المصطفى الكريم

يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه أحمد بن إدريس المالكي :

الحمد لله الذي تجلى لخلقه في عجائب مبتدعات صنعته ، واحتجب عنهم بسرادقات كمالات هويته ، وتفرد بوجوب الوجود ، فهو الأبدي في قيوميته ، وتوحد بالإيجاد ، فكل الأكوان خاضعة لجلال هيبته ، وتنزه عن الشبيه ، والشريك ، فهو الواحد الأحد في إلهيته ، استخلص العلماء بمواهب عنايته ، فأطلع شموس العلوم في آفاق سرائرهم ، فأشرقت عرصات الأرواح بآثار رحمته ، وأينعت رياض الأشباح بثمرات المعارف ، فأضحت حالية بجميل طاعته ، فهم السامعون لتفاصيل مناجاته ، والحاملون لأعباء رسالاته ، والعاملون بمحاسن مشروعاته ، فأولئك مشكاة أنواره ، ومعدن أسراره ، والهائمون بجمال صفاته ، والهانئون بجلال عظمة ذاته ، والفانون عن الأكوان بملاحظات بهاء وارداته ، فهم خير بريته من سائر مخلوقاته ، ونحن الضارعون بضعفنا لجلاله ، والمبتهلون بنقصنا لكماله أن يفيض علينا كما أفاض عليهم من نعمته .

وأفضل الصلوات والتسليمات على أفضل الصادرين عن قدرته : محمد المبعوث بأفضل الرسائل ، وأقرب الوسائل إلى دار كرامته ، الجامع بين ذروة مكارم الأخلاق ، وخلاصة شرف الأعراق في حوزته ، المخصوص بسيادة الدنيا لعموم رسالته ، واستيلاء ملك .... ثناء .... وإنفاد .... وارتفاع علو منزلته ، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه ، وعترته أساة المضايق ، وهداة الخلائق إلى أفضل الطرائق من سيرته .

أما بعد : فإن الفقه عماد الحق ، ونظام الخلق ، ووسيلة السعادة الأبدية ، ولباب الرسالة المحمدية ، من تحلى بلباسه فقد ساد ، ومن بالغ في ضبط معالمه فقد شاد ، ومن أجله تحقيقا ، وأقربه إلى الحق طريقا : مذهب إمام دار الهجرة النبوية ، واختيارات آرائه المرضية لأمور :

منها : ورود الحديث النبوي فيه ، وتظاهر الآثار بشرف معاليه ، واختصاصه بمهبط الرسالة ، وامتيازه بضبط أقضية الصحابة حتى يقول إمام الحرمين - رحمه الله - : وأما مالك - رحمه الله - في أقضية الصحابة رضي الله عنهم ، فلا يشق غباره ، ويقول الشافعي - رحمه الله - : إذا ذكر الحديث ، فمالك النجم ، ويقول أيضا لأبي يوسف : أنشدك الله أصاحبنا - يعني مالكا - أعلم بكتاب الله أم صاحبكم يعني أبا حنيفة ، فقال صاحبكم ، فقال أصاحبنا أعلم بسنة رسول الله أم صاحبكم ، فقال صاحبكم ، فقال أصاحبنا أعلم بأقضية الصحابة رضوان الله عليهم أم صاحبكم ، فقال صاحبكم ، فقال : فإذن لم يبق لصاحبكم إلا القياس ، وهو فرع النصوص ، ومن كان أعلم بالأصل كان أعلم بالفرع .

ومنها : طول عمره في الإقراء والإفتاء سنين ، ومعلوم أنهما ينبوع الاطلاع .

ومنها : أنه أملى في مذهبه نحوا من مائة وخمسين مجلدا في الأحكام الشرعية ، فلا يكاد يقع فرع إلا ويوجد له فيه فتيا بخلاف غيره ممن لا يكاد يجد له أصحابه إلا القليل من المجلدات : كالأم للشافعي ، وفتاوى مفرقة في مذهب أحمد ، وأبي حنيفة في كتب أصحابهم ، ثم خرج أصحابهم بقية مذاهبهم على مناسبات أقوال أئمتهم ، ومعلوم أن التخريج قد يوافق إرادة صاحب الأصل ، وقد يخالفها حتى لو عرض عليه المخرج على أصله لأنكره ، وهذا معلوم بالضرورة ، ولا خفاء أن من قلد مذهبا فقد جعل إمامه واسطة بينه وبين الله تعالى ، وسكون النفوس إلى قول الإمام القدوة أكثر من سكونها إلى أتباعه بالضرورة .

ومنها : أن الله تعالى أسعده ، وسدده لعمل أهل المدينة الذين ينقل أبناؤهم عن آبائهم ، وأخلافهم عن أسلافهم الأحكام ، والسنن النقل المتواتر بسبب جمع الدار لهم ، ولأسلافهم ، فيخرج المسند عن حيز الظن والتخمين إلى حيز العلم واليقين ، وغيره لم يظفر بذلك ، ولذلك لما شاهد أبو يوسف مستند مالك في الصاع والأذان والأوقات وكثير من الأحكام الشرعيات - رجع عن مذهب صاحبه إلى مذهب مالك رحمة الله عليهم أجمعين .

ومنها : ما ظهر من مذهبه في أهل المغرب ، واختصاصهم به ، وتصميمهم عليه مع شهادته عليه السلام لهم بأن الحق يكون فيهم ، ولا يضرهم من خذلهم إلى أن تقوم الساعة ، فتكون هذه الشهادة لهم شهادة له بأن مذهبه حق لأنه شعارهم ، ودثارهم ، ولا طريق لهم سواه ، وغيره لم تحصل له هذه الشهادة .

ولما وهبني الله من فضله أن جعلني من جملة طلبته الكاتبين في صحيفته تعين علي القيام بحقه بحسب الإمكان ، واستفراغ الجهد في مكافأة الإحسان ، فوجدت أخيار علمائنا رضي الله عنهم قد أتوا في كتبهم بالحكم الفائقة والألفاظ الرائقة ، والمعاني الباهرة ، والحجج القاهرة غير أنهم يتبعون الفتاوى في مواطنها حيث كانت ، ويتكلمون عليها أين وجدت مع قطع النظر عن معاقد الترتيب ، ونظام التهذيب كشراح المدونة ، وغيرها ، ومنهم من سلك الترتيب البديع ، وأجاد فيه الصنيع كالإمام العلامة كمال الدين صاحب الجواهر الثمينة - رحمه الله - واقتصر على ذلك مع اليسير من التنبيه على بعض التوجيه .

وأنت تعلم أن الفقه وإن جل ، إذا كان مفترقا تبددت حكمته ، وقلت طلاوته ، وبعدت عند النفوس طلبته ، وإذا رتبت الأحكام مخرجة على قواعد الشرع مبنية على مآخذها نهضت الهمم حينئذ لاقتباسها ، وأعجبت غاية الإعجاب بتقمص لباسها .

وقد آثرت أن أجمع بين الكتب الخمسة التي عكف عليها المالكيون شرقا وغربا حتى لا يفوت أحدا من الناس مطلب ، ولا يعوزه أرب .

وهي : المدونة ، والجواهر ، والتلقين ، والجلاب ، والرسالة ، جمعا مرتبا بحيث يستقر كل فرع في مركزه ، ولا يوجد في غير حيزه ، على قانون المناسبة في تأخير ما يتعين تأخيره ، وتقديم ما يتعين تقديمه من الكتب ، والأبواب ، والفصول متميزة الفروع حتى إذا رأى الإنسان الفرع ، فإن كان مقصوده طالعه ، وإلا أعرض عنه ، فلا يضيع الزمان في غير مقصوده .

وأعزي الفرع إلى المدونة إن كان مشتركا بينها وبين غيرها ، أو خاصا بها .

فإن لم يكن منها عزيته لكتابه ليكون الفقيه على ثقة من نقله لعلمه بالكتاب المنقول منه ، ومتى شاء راجعه .

ومتى وجدت الفرع أتم في كتابه نقلته منه ، وأعرضت عن غيره ، وإن كان منقولا فيه إلا المدونة ، فإني أدأب في استيعابها غير أول الطهارة ، فإنه مستوعب من غيرها ، فإنه نزر .

ومتى كانت فروع منقولة عن واحد سميته في الفرع الأول ، وأقتصر بعد ذلك على قولي " قال " ، ولا أسميه طلبا للاختصار .

وإذا قلت : قال في الكتاب ، فهو المدونة .

وأقدم المشهور على غيره من الأقوال ليستدل الفقيه بتقديمه على مشهوريته إلا أن يتعذر ذلك لتساوي الأقوال ، أو لوقوع الخلاف بين الأصحاب في المشهور اختلافا على السواء ، وهذا قليل في المذهب يعلم بقرينة البحث فيه .

واخترت أن أقول : قال صاحب البيان ، أو قال صاحب المقدمات ، أو صاحب النكت لأجمع بين القائل والكتاب المقول فيه ، فإن صاحب البيان قد ينقل في المقدمات ، وصاحب النكت قد ينقل في تهذيب الطالب .

ومتى قلت قال المازري ، فهو في شرح التلقين تركته لطول الاسم .

وقد آثرت التنبيه على مذاهب المخالفين لنا من الأئمة الثلاثة رحمهم الله ، ومآخذهم في كثير من المسائل تكميلا للفائدة ، ومزيدا في الاطلاع ، فإن الحق ليس محصورا في جهة ، فيعلم الفقيه أي المذهبين أقرب للتقوى ، وأعلق بالسبب الأقوى .

وقد جعلت الشين علامة للشافعي ، والحاء علامة لأبي حنيفة تقليلا للحجم ، والأئمة علامة للشافعي ، وأبي حنيفة ، وابن حنبل ، والصحاح علامة لمسلم ، والبخاري ، والموطأ .

وأودعته ما تحتاجه الأبواب من اللغة في الاشتقاق ، وغيره ، وما تحتاجه من النحو .

وأضيف الأحاديث إلى مصنفيها لتقوية الحجة في المناظرة ، والعلم بقوة السند من ضعفه ، وأتكلم على الأحاديث بما تحتاجه من إشكال ، أو جوابه فيه ، أو إثارة فائدة منه .

وأضيف الأقوال إلى قائلها إن أمكن ليعلم الإنسان التفاوت بين القولين بسبب التفاوت بين القائلين بخلاف ما يقول كثير من أصحابنا : في المسألة قولان ، من غير تعيين ، فلا يدري الإنسان من يجعله بينه وبين الله تعالى من القائلين ، ولعل قائلهما واحد ، وقد رجع عن أحدهما ، فإهمال ذلك مؤلم في التصانيف .

وأودعته من أصول الفقه ، وقواعد الشرع ، وأسرار الأحكام ، وضوابط الفروع - ما فتح الله علي به من فضله مضافا لما أجد في كتب الأصحاب بحسب الإمكان ، والتيسير .

وقد جمعت له من تصانيف المذهب نحو أربعين تصنيفا ما بين شرح ، وكتاب مستقل خارجا عن كتب الحديث ، واللغة ، ولا يكاد أحد يجد فيها فرعا إلا نقلته مضافا لما جمعته ، وأطالعها جميعها قبل وضع الباب ، وحينئذ أضعه ، وما كان من الفروع يندرج تحت غيره تركته ، فلا معنى لإعادة اللفظ بغير فائدة .

وأقصد أن يكون لفظه خاليا عن التطويل الممل ، والاختصار المخل .

وأقدم بين يديه مقدمتين إحداهما : في بيان فضيلة العلم وآدابه ليكون ذلك معدنا وتقوية لطلابه ، والمقدمة الأخرى في قواعد الفقه ، وأصوله ، وما يحتاج إليه من نفائس العلم مما يكون حلية للفقيه ، وجنة للمناظر ، وعونا على التحصيل .

وبينت مذهب مالك - رحمه الله - في أصول الفقه ليظهر علو شرفه في اختياره في الأصول كما ظهر في الفروع ، ويطلع الفقيه على موافقة لأصله ، أو مخالفته له لمعارض أرجح منه ، فيطلبه حتى يطلع على مدركه ، ويطلع المخالفين في المناظرات على أصله .

وأنقح إن شاء كتاب الفرائض ، وأمهد قواعده ، وما عليها من نقوض ، وأقرر ما أجده ، وأودع فيه من الجبر ، والمقابلة ما يحتاج إليه ، فإني لم أره في كتبنا بل في كتب الشافعية ، والحنفية ، وهو من الأسرار العجيبة التي لا يمكن أن يخرج كثير من مسائل الفرائض ، والوصايا ، والنكاح ، والخلع ، والبيع ، والإجارة إلا بها ، وأمهد إن شاء الله كتاب الجامع منه تمهيدا جميلا .

ولما نظرت إلى هذه المقاصد ، وما اشتملت عليه من الفوائد سميته بالذخيرة وهو ذخيرة إن شاء الله للمعاد لقوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به ، أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له .

وهو ذخيرة لطلبة العلم في تحصيل مطالبهم ، وتقريب مقاصدهم ، فكل من أراد منهم إقراء كتاب من الكتب الخمسة ، أو قراءته وجد فروعه فيه مشروحة ممهدة ، والله تعالى هو المسئول في العون على خلوص النية ، وحصول البغية ، فإن الخير كله بيديه ، ولا ملجأ منه إلا إليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث