الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من توفي فيها من الأعيان

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 446 ] وممن توفي فيها من الأعيان

أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار أبو حمزة

ويقال : أبو ثمامة الأنصاري النجاري ،
خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، وأمه أم حرام مليكة بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام ، زوجة أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري . روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث جمة ، وأخبر بعلوم مهمة ، وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وغيرهم ، وحدث عنه خلق من التابعين . قال أنس : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا ابن عشر سنين ، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة .

وقال محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن أبيه عن ثمامة قال : قيل لأنس : أشهدت بدرا؟ فقال : وأين أغيب عن بدر لا أم لك؟ قال الأنصاري : شهدها يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي : لم يذكر ذلك أحد من أصحاب المغازي . قلت : الظاهر أنه إنما شهد ما بعد ذلك من المغازي . والله أعلم .

[ ص: 447 ] وقد ثبت أن أمه أتت به وفي رواية : عمه زوج أمه أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، هذا أنس خادم لبيب يخدمك . فوهبته له ، فقبله ، وسألته أن يدعو له فقال : اللهم أكثر ماله وولده ، وأدخله الجنة وثبت عنه أنه قال : كناني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقلة كنت أجتنيها . وقد استعمله أبو بكر ، ثم عمر على عمالة البحرين وشكراه في ذلك .

وقد ثبت عنه أنه قال : خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما ضربني ، ولا سبني ، ولا عبس في وجهي ، ولا قال لي لشيء : لم لا فعلت كذا؟ وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له ، فقال : اللهم كثر ماله وولده ، وطول حياته وكان أنس رضي الله عنه كثير الصلاة والصيام والعبادة .

وقد انتقل بعد النبي صلى الله عليه وسلم فسكن البصرة ، وكان له بها أربع دور ، وقد ناله أذى من جهة الحجاج ، وذلك في فتنة ابن الأشعث; توهم الحجاج منه أنه داخل في الأمر ، وأنه أفتى فيه ، فختمه الحجاج في عنقه : هذا عتيق الحجاج . [ ص: 448 ] وقد شكاه أنس كما قدمنا إلى عبد الملك ، فكتب إلى الحجاج يعنفه ، ففزع الحجاج من ذلك وصالح أنسا . وقد وفد أنس على الوليد بن عبد الملك في أيام ولايته ، قيل : في سنة ثنتين وتسعين ، وهو يبني جامع دمشق .

قال مكحول : رأيت أنسا يمشي في مسجد دمشق ، فقمت إليه فسألته عن الوضوء من الجنازة ، فقال : لا وضوء . وقال الأوزاعي : حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر قال : قدم أنس على الوليد ، فقال له الوليد : ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر به الساعة؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أنتم والساعة كهاتين ورواه عبد الرزاق بن عمر ، عن إسماعيل قال : قدم أنس على الوليد في سنة ثنتين وتسعين ، فذكره .

وقال الزهري : دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي ، فقلت : ما يبكيك؟ قال : لا أعرف مما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا هذه الصلاة ، وقد صنعتم فيها ما صنعتم . وفي رواية : وهذه الصلاة قد [ ص: 449 ] ضيعت . يعني ما كان يفعله خلفاء بني أمية من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسع; كانوا يواظبون على التأخير إلا عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته ، كما سيأتي .

وقال عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق ، عن جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس قال : جاءت بي أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام ، فقالت : يا رسول الله ، أنيس فادع الله له . فقال : اللهم أكثر ماله وولده ، وأدخله الجنة . قال : فقد رأيت اثنتين ، وأنا أرجو الثالثة . وفي رواية : قال أنس : فوالله إن مالي لكثير حتى نخلي وكرمي ليثمر في السنة مرتين ، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة . وفي رواية : وإن ولدي لصلبي مائة وستة . ولهذا الحديث طرق كثيرة ، وألفاظ منتشرة جدا ، وفي رواية : قال أنس : وأخبرتني ابنتي أمينة : أنه دفن لصلبي إلى حين مقدم الحجاج عشرون ومائة . وقد تقصى ذلك بطرقه وأسانيده ، وأورد ألفاظه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أنس ، وقد أوردنا طرفا من ذلك في كتاب دلائل النبوة في أواخر السيرة ، ولله الحمد .

[ ص: 450 ] وقال ثابت لأنس : هل مست يدك كف رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : نعم . قال : فأعطنيها أقبلها . وقال محمد بن سعد عن أبي نعيم ، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن المنهال بن عمرو ، قال : كان أنس صاحب نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإداوته . وقال محمد بن سعد : عن مسلم بن إبراهيم ، عن المثنى بن سعيد الذارع قال : سمعت أنس بن مالك يقول : ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي صلى الله عليه وسلم . ثم يبكي .

وقال أبو داود : ثنا الحكم بن عطية ، عن ثابت عن أنس قال : إني لأرجو أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقول : يا رسول الله ، خويدمك .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس ، ثنا حرب بن ميمون ، عن النضر بن أنس ، عن أنس قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة ، قال : أنا فاعل قلت : فأين أطلبك يوم القيامة يا نبي الله؟ قال : اطلبني أول ما تطلبني على الصراط . قلت : فإذا لم ألقك؟ قال : فأنا عند الميزان . قلت : فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال : فأنا عند الحوض ، لا أخطئ هذه الثلاث مواطن يوم القيامة . ورواه الترمذي وغيره ، من حديث حرب بن ميمون أبي [ ص: 451 ] الخطاب الأنصاري به ، وقال : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

وقال شعبة ، عن ثابت قال : قال أبو هريرة : ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم سليم ، يعني أنس بن مالك . وقال أنس بن سيرين : كان أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر . وقال أنس : يا ثابت خذ مني; فإني أخذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل ، ولست تجد أوثق مني .

وقال معتمر بن سليمان ، عن أبيه : سمعت أنسا يقول : ما بقي أحد صلى القبلتين غيري .

وقال محمد بن سعد : حدثنا عفان ، حدثني شيخ لنا يكنى أبا حباب ، سمعت الجريري يقول : أحرم أنس من ذات عرق ، فما سمعناه متكلما إلا [ ص: 452 ] بذكر الله عز وجل حتى أحل . فقال لي : يا ابن أخي ، هكذا الإحرام .

وقال صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف : دخل علينا أنس يوم الجمعة ، ونحن في بعض أبيات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم نتحدث فقال : مه . فلما أقيمت الصلاة قال : إني أخاف أن أكون قد أبطلت جمعتي بقولي لكم : مه .

وقال ابن أبي الدنيا ثنا بشار بن موسى الخفاف ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن ثابت قال : كنت مع أنس فجاء قهرمانه ، فقال : يا أبا حمزة ، عطشت أرضنا . قال : فقام أنس ، فتوضأ وخرج إلى البرية ، فصلى ركعتين ثم دعا ، فرأيت السحاب يلتئم ، ثم مطرت حتى ملأت كل شيء ، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال : انظر أين بلغت السماء ، فنظر فلم تعد أرضه إلا يسيرا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا معاذ بن معاذ ، ثنا ابن عون ، عن محمد قال : كان أنس إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ففرغ منه قال : أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال الأنصاري ، عن ابن عون ، عن محمد قال : بعث [ ص: 453 ] أمير من الأمراء إلى أنس شيئا من الفيء ، فقال : أخمس؟ قال : لا . فلم يقبله .

وقال النضر بن شداد ، عن أبيه : مرض أنس ، فقيل له : ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال : الطبيب أمرضني .

وقال حنبل بن إسحاق : ثنا أبو عبد الله الرقاشي ، ثنا جعفر بن سليمان ، ثنا علي بن يزيد ، قال : كنت في القصر مع الحجاج وهو يعرض الناس ليالي ابن الأشعث ، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج : هي يا خبيث ، جوال في الفتن ، مرة مع علي ، ومرة مع ابن الزبير ، ومرة مع ابن الأشعث ، أما والذي نفس الحجاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة ، ولأجردنك كما يجرد الضب . قال : يقول أنس : من يعني الأمير؟ قال : إياك أعني ، أصم الله سمعك . قال : فاسترجع أنس ، وشغل الحجاج ، فخرج أنس فتبعناه إلى الرحبة ، فقال : لولا أني ذكرت ولدي وخفته عليهم لكلمته بكلام في مقامي هذا لا يستحييني بعده أبدا .

وقد ذكر أبو بكر بن عياش أن أنسا بعث إلى عبد الملك يشكو إليه الحجاج ، ويقول في كتابه : إني خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، والله لو أن [ ص: 454 ] اليهود والنصارى أدركوا رجلا خدم نبيهم لأكرموه . وذكر له أذية الحجاج له ، فلما قرأ عبد الملك كتابه حصل عنده أمر عظيم ، فكتب إليه يقول : ويلك ، لقد خشيت أن لا يصلح على يدي أحد . وذكر له كلاما فيه غلظة ، ويقول فيه : إذا جاءك كتابي فقم إلى أنس ، واعتذر له . فجاء كتاب عبد الملك إلى الحجاج بالغلظة في ذلك ، فهم أن ينهض إلى أنس ، فأشار إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر الذي قدم بالكتاب أن لا يذهب إلى أنس ، وأشار على أنس أن يبادر إلى الحجاج بالمصالحة وكان إسماعيل صديق الحجاج فجاء أنس ، فقام إليه الحجاج يتلقاه ، وقال : إنما مثلي ومثلك ، كما قيل : إياك أعني واسمعي يا جارة . أردت أن لا يبقى لأحد علي منطق .

وقال ابن قتيبة : كتب عبد الملك إلى الحجاج لما قال لأنس ما قال : يا ابن المستفرمة بحب الزبيب ، لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها إلى نار [ ص: 455 ] جهنم ، قاتلك الله أخيفش العينين ، أقيبل الرجلين ، أسود الجاعرتين . ومعنى قوله : المستفرمة بحب الزبيب ، أي : تضيق فرجها عند الجماع به . ومعنى : أركلك ، أي : أرفسك برجلي . وسيأتي بسط ذلك في ترجمة الحجاج في سنة خمس وتسعين .

وقال أحمد بن صالح العجلي : لم يبتل أحد من الصحابة إلا رجلين; معيقيب كان به الجذام ، وأنس بن مالك; كان به وضح . وقال الحميدي : عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي جعفر قال : رأيت أنسا يأكل ، فرأيته يلقم لقما عظاما ، ورأيت به وضحا شديدا .

وقال أبو يعلى : ثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري ، ثنا أبي ، ثنا عمران ، عن أيوب قال : ضعف أنس عن الصوم فصنع جفنة من ثريد ، [ ص: 456 ] ودعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم ، وذكره البخاري تعليقا . وقال شعبة ، عن موسى السنبلاني ، قلت لأنس : أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : قد بقي قوم من الأعراب ، فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي .

وقيل له في مرضه : ألا ندعو لك طبيبا؟ فقال : الطبيب أمرضني . وجعل يقول : لقنوني لا إله إلا الله . وهو محتضر ، فلم يزل يقولها حتى قبض ، وكانت عنده عصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها فدفنت معه .

قال عمر بن شبة وغير واحد : مات وله مائة وسبع سنين . وقال الإمام أحمد في مسنده : ثنا معتمر بن سليمان ، عن حميد ، أن أنسا عمر مائة سنة غير سنة .

قال الواقدي : وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة ، وكذا قال علي بن المديني والفلاس وغير واحد .

وقد اختلف المؤرخون في سنة وفاته; فقيل : سنة تسعين . وقيل : إحدى وتسعين . وقيل : ثنتين وتسعين . وقيل : ثلاث وتسعين . وهذا هو المشهور ، وعليه الجمهور ، والله أعلم .

[ ص: 457 ] وقال الإمام أحمد : حدثني أبو نعيم قال : توفي أنس بن مالك ، وجابر بن زيد في جمعة واحدة سنة ثلاث وتسعين . وقال قتادة : لما مات أنس قال مورق العجلي : ذهب اليوم نصف العلم . قيل له : وكيف ذاك يا أبا المعتمر؟ قال : كان الرجل من أهل الأهواء ، إذا خالفونا في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلنا لهم : تعالوا إلى من سمعه منه .

عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، الشاعر المشهور

يقال : إنه ولد يوم توفي عمر بن الخطاب ، وختن يوم مقتل عثمان ، وتزوج يوم مقتل علي . فالله أعلم . وكان مشهورا بالتغزل المليح البليغ ، كان يتغزل في امرأة يقال لها : الثريا بنت علي بن عبد الله الأموية ، وقد تزوجها سهل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري ، فقال في ذلك عمر بن أبي ربيعة :


أيها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان     هي شامية إذا ما استقلت
وسهيل إذا استقل يمان

ومن مستجاد شعره ما أورده ابن خلكان :

[ ص: 458 ]

حي طيفا من الأحبة زارا     بعد ما صرع الكرى السمارا
طارقا في المنام تحت دجى اللي     ل ضنينا بأن يزور نهارا
قلت ما بالنا جفينا وكنا     قبل ذاك الأسماع والأبصارا
قال إنا كما عهدت ولكن     شغل الحلي أهله أن يعارا

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث