الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة ثمان وتسعين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 631 ] ثم دخلت سنة ثمان وتسعين

ففي هذه السنة جهز سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين أخاه مسلمة بن عبد الملك لغزو القسطنطينية وراء الجيش الذين هم بها ، فسار إليها ومعه جيش عظيم ، ثم التف عليه ذلك الجيش الذين هم هناك ، وقد أمر كل رجل من الجيش أن يحمل معه على ظهر فرسه مدين من طعام ، فلما وصل إليها جمعوا ذلك ، فإذا هو أمثال الجبال فقال لهم مسلمة : اتركوا هذا الطعام وكلوا مما تجدونه في بلادهم ، وازرعوا في أماكن الزرع واستغلوه ، وابنوا لكم بيوتا من خشب ، فإنا لا نرجع عن هذه البلد حتى نفتحها إن شاء الله .

وقد داخل مسلمة رجل من النصارى يقال له : إليون . وواطأه في الباطن ليأخذ له بلاد الروم ، فظهر منه نصح في بادئ الأمر ، ثم إنه توفي ملك القسطنطينية فدخل إليون في رسالة من مسلمة ، وقد خافته الروم خوفا شديدا ، فلما دخل إليهم إليون قالوا له : رده عنا ونحن نملكك علينا . فخرج فأعمل الحيلة في الغدر والمكر ، ولم يزل قبحه الله حتى أحرق ذلك الطعام الذي للمسلمين ، وذلك لأنه قال لمسلمة : إنهم ما داموا يرون هذا الطعام عندك يظنون أنك تطاولهم في القتال ، فلو أحرقته لتحققوا منك العزم ، وسلموا لك البلد سريعا ، فأمر مسلمة [ ص: 632 ] بالطعام فأحرق ، ثم انشمر إليون في السفن وأخذ ما أمكنه من أمتعة الجيش في الليل ، وأصبح وهو بالبلد محاربا للمسلمين ، وأظهر العداوة الأكيدة ، وتحصن بالبلد ، واجتمعت عليه الروم ، وضاق الحال على المسلمين ، حتى أكلوا كل شيء إلا التراب ، فلم يزل ذلك دأبهم حتى جاءتهم وفاة سليمان بن عبد الملك وتولية عمر بن عبد العزيز ، على ما سيأتي ، فكروا راجعين إلى الشام وقد جهدوا جهدا شديدا ، لكن لم يرجع مسلمة حتى بنى مسجدا بالقسطنطينية شديد البناء محكما ، رحب الفناء ، شاهقا في السماء .

وقال الواقدي : لما ولي سليمان بن عبد الملك أراد الإقامة ببيت المقدس ، ثم أرسل العساكر إلى القسطنطينية فأشار عليه موسى بن نصير بأن يفتح ما دونها من المدن والرساتيق والحصون ، حتى يبلغ المدينة فلا يأتيها إلا وقد هدمت حصونها ووهنت قوتها ، فإذا فعلت ذلك لم يبق بينك وبينها مانع ، فيعطوا بأيديهم ويسلموا لك البلد ، ثم استشار أخاه مسلمة فأشار عليه بأن يدع ما دونها من البلاد ويفتحها عنوة ، فمتى ما فتحت فإن باقي ما دونها من البلاد والحصون بيدك . فقال سليمان : هذا هو الرأي . ثم أخذ في تجهيز الجيوش من الشام والجزيرة فجهز في البر مائة وعشرين ألفا ، وفي البحر مائة وعشرين ألفا من المقاتلة وأخرج لهم الأعطية وأنفق فيهم الأموال الكثيرة وأعلمهم بغزو القسطنطينية والإقامة عليها إلى أن يفتحوها ، ثم سار سليمان من بيت المقدس فدخل دمشق وقد اجتمعت له العساكر فأمر عليهم أخاه مسلمة ، ثم قال : [ ص: 633 ] سيروا على بركة الله ، وعليكم بتقوى الله والصبر والتناصح والتناصف . ثم سار سليمان حتى نزل مرج دابق فاجتمع إليه الناس أيضا من المطوعة المحتسبين أجورهم على الله ، فاجتمع له جند عظيم لم ير مثله ، ثم أمر مسلمة أن يرحل بالجيوش وأخذ معه إليون الرومي المرعشي ، ثم ساروا حتى نزلوا على القسطنطينية فحاصرها إلى أن برح بهم ، وعرض أهلها الجزية على مسلمة ، فأبى إلا أن يفتحها عنوة ، قالوا : فابعث إلينا إليون نشاوره . فأرسله إليهم ، فقالوا له : رد هذه العساكر عنا ونحن نعطيك ونملكك علينا . فرجع إلى مسلمة ، فقال له : قد أجابوا إلى فتحها غير أنهم لا يفتحونها ما لم تنح عنهم . فقال مسلمة : إني أخشى غدرك ، فحلف له أن يدفع إليه مفاتيحها وما فيها ، فلما تنحى عنهم أخذوا في ترميم ما تهدم من أسوارها واستعدوا للحصار . وغدر إليون بالمسلمين ، قبحه الله .

قال ابن جرير وفي هذه السنة أخذ سليمان بن عبد الملك العهد لولده أيوب أن يكون الخليفة من بعده ، وذلك بعد موت أخيه مروان بن عبد الملك بن مروان ، فعدل عن ولاية أخيه يزيد إلى ولاية ولده أيوب ، وتربص بأخيه الدوائر فمات أيوب في حياة أبيه ، فبايع سليمان لابن عمه عمر بن عبد العزيز أن يكون الخليفة من بعده ، ولنعم ما فعل . وفيها فتحت مدينة الصقالبة . قال [ ص: 634 ] الواقدي : وقد أغارت البرجان على جيش مسلمة وهو في قلة من الناس ، في هذه السنة . فبعث إليه سليمان جيشا فقاتل البرجان حتى هزمهم الله عز وجل .

وفي هذه السنة غزا يزيد بن المهلب دهستان من أرض الصين فحاصرها وقاتل عندها قتالا شديدا ، ولم يزل حتى تسلمها ، وقتل من الترك الذين بها أربعة آلاف صبرا ، وأخذ منها من الأموال والأثاث والأمتعة ما لا يحد ولا يوصف كثرة وقيمة وحسنا ، ثم سار منها إلى جرجان فاستجاش صاحبها بالديلم ، فقدموا لنجدته فقاتلهم يزيد بن المهلب وقاتلوه ، فحمل محمد بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي وكان فارسا شجاعا باهرا على ملك الديلم فقتله وهزمهم الله عز وجل ، ولقد بارز ابن أبي سبرة هذا يوما بعض فرسان الترك ، فضربه التركي بالسيف على البيضة فنشب فيها ، وضربه ابن أبي سبرة فقتله ، ثم أقبل إلى المسلمين وسيفه يقطر دما وسيف التركي ناشب في خوذته ، فنظر إليه يزيد بن المهلب ، فقال : ما رأيت منظرا أحسن من هذا ، من هذا الرجل؟ قالوا : ابن أبي سبرة . فقال : نعم الرجل لولا انهماكه في الشراب . ثم صمم يزيد بن المهلب على محاصرة جرجان وما زال يضيق على صاحبها حتى صالحه على سبعمائة ألف درهم وأربعمائة ألف دينار ، ومائتي ألف ثوب ، وأربعمائة حمار موقرة زعفرانا ، وأربعمائة رجل ، على رأس كل رجل ترس ، [ ص: 635 ] على الترس طيلسان ، وجام من فضة ، وسرقة من حرير .

وهذه المدينة كان سعيد بن العاص قد افتتحها صلحا على أن يؤدوا الخراج في كل سنة ، فكانوا يحملون في كل سنة مائة ألف ، وفي سنة مائتي ألف ، وفي بعض السنين ثلاثمائة ألف ، ويمنعون ذلك في بعض السنين ، ثم امتنعوا جملة وكفروا ، فغزاهم يزيد بن المهلب وردها صلحا على ما كانت عليه في زمن سعيد بن العاص . قالوا : وأصاب يزيد بن المهلب من جرجان أموالا كثيرة جدا ، فكان من جملتها تاج فيه جواهر نفيسة ، فقال : أترون أحدا يزهد في هذا؟ قالوا : لا . فدعا بمحمد بن واسع وكان في الجيش مغازيا فعرض عليه أخذ التاج ، فقال : لا حاجة لي فيه . فقال : أقسمت عليك لتأخذنه . فأخذه وخرج به من عنده ، فأمر يزيد رجلا أن يتبعه فينظر ماذا يصنع بالتاج؟ فمر بسائل ، فطلب منه شيئا ، فأعطاه التاج بكماله وانصرف . فبعث يزيد إلى ذلك السائل فأخذ منه التاج وعوضه عنه مالا كثيرا .

وقال علي بن محمد المدائني : قال أبو بكر الهذلي : كان شهر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب فرفعوا إليه أنه أخذ خريطة فيها مائة دينار ، فسأله عنها فقال : نعم . وأحضرها ، فقال له يزيد : هي لك . ثم استدعى [ ص: 436 ] الذي وشى به فشتمه .

فقال في ذلك القطامي الكلبي ، ويقال : إنها لسنان بن مكمل النميري :


لقد باع شهر دينه بخريطة فمن يأمن القراء بعدك يا شهر     أخذت به شيئا طفيفا وبعته
من ابن جونبوذ ان هذا هو الغدر

وقال مرة النخعي :


يا ابن المهلب ما أردت إلى     امرئ لولاك كان كصالح القراء

قال ابن جرير ويقال : إن يزيد بن المهلب كان في غزوة جرجان في مائة ألف وعشرين ألفا ، منهم ستون ألفا من جيش الشام أثابهم الله ، وقد تمهدت تلك البلاد بفتح جرجان وسلكت الطرق ، وكانت قبل ذلك مخوفة جدا ، ثم عزم يزيد على المسير إلى طبرستان وقدم بين يديه سرية هي أربعة آلاف من سراة الناس ، فلما التقوا اقتتلوا قتالا شديدا ، وقتل من المسلمين في المعركة أربعة آلاف فإنا لله وإنا إليه راجعون . ثم عزم يزيد على فتح البلاد لا محالة ، وما زال حتى صالحه صاحبها وهو الإصبهبذ بمال كثير; سبعمائة ألف في كل عام ، وغير ذلك من المتاع والرقيق .

[ ص: 637 ] وممن توفي فيها من الأعيان :

عبيد الله بن عبد الله بن عتبة

كان إماما حجة ، وكان مؤدب عمر بن عبد العزيز ، وله روايات كثيرة عن جماعات من الصحابة .

أبو الحفص النخعي

عبد الله بن محمد ابن الحنفية

وقد ذكرنا تراجمهم في " التكميل " . والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث