الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوسيلة الأولى محل الماء وهو الإناء

جزء التالي صفحة
السابق

وهذا الكتاب مشتمل على مقاصد ووسائل لتلك المقاصد ، والوسائل يتقدم فعلها شرعا ، فيجب تقدم الكلام عليها وضعا .

فأول الوسائل : محل الماء ، ولما كان استعمال الماء في الأعضاء يتوقف على طهارتها حتى يلاقي الماء الطهور الأعضاء الطاهرة وجب بيان الأعيان النجسة ما هي ، ثم كيفية إزالتها ، فهذه أربع وسائل . [ ص: 165 ] الوسيلة الأولى : محل الماء ، وهو الإناء ، وهو في اللغة مشتق من أنى يأني إنى ، وهو التناهي قال الله تعالى : ( غير ناظرين إناه ) . أي انتهاءه ( عين آنية ) أي متناه حدها ، و ( حميم آن ) أي متناه حره ، ولما كان الإناء لا بد أن يتناهى خرطه ، أو حرزه ، أو سبكه على حسب جوهره في نفسه سمي إناء لذلك ، وفيه ثلاثة فصول :

الفصل الأول : في الجلود ، وفي الجواهر ، ولا بد في استعمالها من طهارتها ، ولطهارتها سببان :

السبب الأول : الذكاة مطهرة لسائر أجزاء الحيوان لحمه وعظمه وجلده ، وإن كان مختلفا في إباحة أكله كالحمر والكلاب والسباع على روايتي الإباحة والمنع ، لإزالة الذكاة الفضلات المستقذرة الموجبة للتنجيس على سائر الوجوه على الحيوان إلا الخنزير لقوله تعالى : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس ) . والرجس في اللغة القذر ، فكما أن العذرة لا تقبل التطهير ، فكذلك الخنزير لأنه سوى بينه وبين الدم ولحم الميتة ، وهما لا يقبلان التطهير ، فكذلك هو .

ولأن الذكاة في الشرع سبب لحكمين : إباحة الأكل ، والطهارة ، والذكاة لا تفيد الإباحة فيه إجماعا ، فكذلك الطهارة ، ولهذا المدرك منع ابن حبيب تطهير الذكاة لما لم يؤكل لحمه ، ووافقه الشافعي ، ولابن حبيب أيضا التفرقة بين العادية وغيرها ، وزاد أبو حنيفة علينا بطهارة اللحم مع الجلد ، وإن قال بتحريم أكله .

ومنع مالك - رحمه الله - الصلاة على جلود الحمر الأهلية ، وإن ذكيت ، وتوقف [ ص: 166 ] في الكيمخت في الكتاب . قال صاحب الطراز ، وروي عنه الجواز ، ومنشأ الخلاف هل هي محرمة ، فلا تؤثر الذكاة فيها كالخنزير ، أو مكروهة فتؤثر كالسباع ؟ والكيمخت يكون من جلود الحمر ، ومن جلود البغال قال : وقد أباحه مرة ، وأجاز الصلاة فيه على ما في العتبية .

السبب الثاني : الدباغ في الجواهر ، وهو استعمال ما فيه قبض وقوة على نزع الفضلات ، وهو مختلف بحسب غلظ الجلد ، ورقته ، ولينه ، وصلابته ، قال ابن نافع : ولا يكفي التشميس ، وهو مطهر لجملة الجلود إلا الخنزير للآية المتقدمة ، ولأن الذكاة أقوى من الدباغ لاقتضائها إباحة الأكل مع التطهير ، ولنزعها الفضلات من معادنها قبل تشبثها بأجزاء الحيوان ، وغلظها ، وقد سقط اعتبارها في الخنزير ، فكذلك الدباغ .

وطهارة غير الخنزير مخصوصة عنده بالماء ، واليابسات دون المائعات والصلاة والبيع لأن قوله عليه السلام : أيما إهاب دبغ ، فقد طهر . مطلق في الطهارة ، وإن كان عاما في الأهب ، والأصل في الميتة النجاسة ، فيتعين الماء لمطلق الطهارة لقوته ، واليابسات لعدم مخالطها ، وبقي ما عدا ذلك على الأصل .

وعنه أنها عامة لزوال السبب المنجس ، وهو الفضلات المستقذرة ، ولأن الدباغ يرد الأشياء إلى أصولها قبل الموت ، والحيوانات عندنا طاهرة قبله ، فكذلك بعده بالدباغ ، ولهذا المدرك قال الشافعي - رضي الله عنه - : لا يطهر الكلب والخنزير بالدباغ لأنهما نجسان قبل الموت عنده ، وقال أبو يوسف ، وداود : يؤثر الدباغ في جلد الخنزير ، وقال الأوزاعي ، وأبو ثور : لا يؤثر إلا فيما يؤكل لحمه ، ومنشأ الخلاف هل يشبه الدباغ بالحياة ، أو بالذكاة ، وهو مذهبنا .

[ ص: 167 ] قاعدة : إزالة النجاسة تارة تكون بالإزالة كالغسل بالماء ، وتارة بالإحالة كالخمر إذا صار خلا ، أو العذرة إذا صارت لحم كبش ، وتارة بهما كالدباغ ، فإنه يزيل الفضلات ، ويحيل الهيئات ، أو لأنه يمنعه من الفساد كالحياة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث