الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( و ) السابع ( المحبة ) لهذه الكلمة ولما اقتضته ودلت عليه ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها وبغض ما ناقض ذلك ، قال الله عز وجل : ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ) ( البقرة : 165 ) وقال تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) ( المائدة : 54 ) فأخبرنا الله عز وجل أن عباده المؤمنين أشد حبا له ، وذلك لأنهم لم يشركوا معه في محبته أحدا كما فعل مدعو محبته من المشركين الذين اتخذوا من دونه أندادا يحبونه كحبه ، وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه ، وموالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عاداه ، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم واقتفاء أثره وقبول هداه . وكل هذه العلامات شروط في المحبة لا يتصور وجود المحبة مع عدم شرط منها . قال الله تبارك وتعالى : ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ) ( الفرقان : 43 ) الآيات .

وقال تعالى : ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله ) ( الجاثية : 23 ) فكل من عبد مع الله غيره فهو في الحقيقة عبد لهواه ، بل كل ما عصى الله به من الذنوب فسببه تقديم العبد هواه على أوامر [ ص: 425 ] الله عز وجل ونواهيه . وقال تعالى في شأن الموالاة والمعاداة فيه : ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ) ( الممتحنة : 4 ) الآية . وقال تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) ( المجادلة : 22 ) الآية . وقال تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) ( المائدة : 51 ) الآيات . وقال تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ) ( التوبة : 23 - 24 ) الآيتين .

وقال تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) ( الممتحنة : 1 ) إلى آخر السورة ، وغير ذلك من الآيات . وقال تعالى في اشتراط اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ) ( آل عمران : 31 ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار " أخرجاه من حديث أنس رضي الله عنه . وفيهما عنه وعن أبي هريرة رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " . وفي كتاب الحجة بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن [ ص: 426 ] العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " وذلك الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الخبر عن الله والأمر بما يحبه الله ويرضاه ، والنهي عما يكرهه ويأباه ، فإذا امتثل العبد ما أمره به واجتنب ما نهى الله عنه وإن كان ذلك مخالفا لهواه كان مؤمنا حقا ، فكيف إذا كان لا يهوى سوى ذلك . وفي الحديث : " أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض فيه . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك .

وقد أصبح غالب مؤاخاة الناس اليوم على أمر الدنيا ، وذلك لا يجدي على أهله شيئا . وقال الحسن البصري وغيره من السلف : ادعى قوم محبة الله عز وجل فابتلاهم الله بهذه الآية : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ) وقال البخاري رحمه الله تعالى : حدثنا محمد بن سنان قال : حدثنا فليح قال : حدثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى . قالوا : يا رسول الله ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى " . قال حدثنا محمد بن عبادة أخبرنا يزيد حدثنا سليم - وأثنى عليه - حدثنا سعيد بن ميناء حدثنا - أو سمعت - جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول : جاءت ملائكة إلى [ ص: 427 ] النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم : إنه نائم . وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان . فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا . فقال بعضهم : إنه نائم . وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان . فقالوا : إن مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة . فقالوا : أولوها له يفقهها . فقال بعضهم : إنه نائم . وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان . فقالوا : فالدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن أطاع محمدا صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله ومن عصى محمدا صلى الله عليه وسلم فقد عصى الله ، ومحمد صلى الله عليه وسلم فرق بين الناس .

ومن هنا يعلم أنه لا تتم شهادة أن لا إله إلا الله إلا بشهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا علم أنه لا تتم محبة الله عز وجل إلا بمحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه فلا طريق إلى معرفة ما يحبه تعالى ويرضاه وما يكرهه ويأباه إلا باتباع ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتناب ما نهى عنه ، فصارت محبته مستلزمة لمحبة رسول الله وتصديقه ومتابعته ، ولهذا قرن محبته بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة من القرآن ، كقوله عز وجل : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) ( التوبة : 24 ) وغير ذلك من الآيات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث