الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مقتل الخليفة المعتز بالله

ولثلاث بقين من رجب من هذه السنة خلع الخليفة المعتز بالله ولليلتين مضتا من شعبان أظهر موته . وكان سبب خلعه أن الجند اجتمعوا فطلبوا منه أرزاقهم ، فلم يكن عنده ما يعطيهم فسأل من أمه أن تقرضه مالا يدفعهم عنه به فلم تعطه وأظهرت أنه لا شيء عندها فاجتمع الأتراك على خلعه فأرسلوا إليه ; ليخرج إليهم فاعتذر بأنه قد شرب دواء وأن عنده ضعفا ، ولكن ليدخل إلي بعضكم . فدخل إليه بعض الأمراء فتناولوه بالدبابيس يضربونه وجروا برجله وأخرجوه وعليه قميص مخرق ملطخ بالدم فأقاموه في وسط دار الخلافة في حر شديد حتى جعل يراوح بين قدميه من شدة الحر ، وجعل بعضهم يلطمه وهو يبكي ، ويقول له الضارب : اخلعها والناس مجتمعون . ثم [ ص: 506 ] أدخلوه حجرة مضيقا عليه فيها .

وما زالوا عليه بأنواع العذاب حتى خلع نفسه من الخلافة وولي بعده المهتدي بالله ، كما سيأتي ، ثم سلموه إلى من يسومه سوء العذاب بأنواع المثلات ومنع من الطعام والشراب ثلاثة أيام حتى جعل يطلب شربة من ماء البئر فلم يسق ثم أدخلوه سربا فيه جص جير فدسوه فيه فأصبح ميتا فاستلوه من الجص سليم الجسد فأشهدوا عليه جماعة من الأعيان أنه مات وليس به أثر ، وكان ذلك في اليوم الثاني من شعبان من هذه السنة وكان يوم السبت وصلى عليه المهتدي بالله ودفن مع أخيه المنتصر إلى جانب قصر الصوامع ، عن أربع وعشرين سنة .

وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما وكان طويلا جسيما وسيما أقنى الأنف مدور الوجه حسن الضحك أبيض ، أسود الشعر جعده كثيفه كثيف اللحية حسن العينين والوجه ضيق الجبين أحمر الوجنتين رحمه الله .

وقد أثنى الإمام أحمد بن حنبل على جودة ذهنه وحسن فهمه وأدبه حين دخل عليه في حياة أبيه المتوكل بسامرا ، كما قدمنا في ترجمة الإمام أحمد .

وروى الخطيب البغدادي عن علي بن حرب قال : دخلت على المعتز بالله فما رأيت خليفة أحسن وجها منه ، فلما رأيته سجدت فقال : يا شيخ تسجد لأحد من دون الله ؟ فقلت : حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل ، [ ص: 507 ] ثنا بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ما يفرح به ، أو بشر بما يسره ، سجد شكرا لله عز وجل .

وقال الزبير بن بكار : صرت إلى المعتز وهو أمير ، فلما سمع بقدومي خرج مستعجلا إلي فعثر ، فأنشأ يقول :


يموت الفتى من عثرة بلسانه وليس يموت المرء من عثرة الرجل     فعثرته من فيه ترمي برأسه
وعثرته في الرجل تبرأ على مهل

وذكر الحافظ ابن عساكر : أن المعتز لما حذق القرآن في حياة أبيه المتوكل اهتم أبوه لذلك واجتمعت الأمراء الكبراء والرؤساء بسر من رأى ، واختلفوا لذلك أياما عديدة وجرت أحوال عظيمة . ولما جلس وهو صبي على المنبر وسلم على أبيه بالخلافة ، وخطب الناس نثرت الجواهر في الصواني ، والذهب والفضة على الخواص والعوام بدار الخلافة ، فكان قيمة ما نثر من الجواهر ما يساوي مائة ألف دينار ، ومثلها ذهبا ، وألف ألف درهم ، غير ما كان من خلع وأسمطة وأقمشة مما يفوت الحصر وكان وقتا مشهودا لم يكن سرور بدار الخلافة أبهج منه ولا أحسن وخلع الخليفة على أم ولده المعتز - وهي قبيحة - خلعا سنية وأعطاها وأجزل لها العطاء ، وكذلك خلع على مؤدب المعتز - وهو محمد بن عمران - من الجوهر والذهب وغير ذلك شيئا كثيرا جدا والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث