الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من توفي فيها من الأعيان

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وممن توفي فيها من الأعيان :

الخليفة المهتدي بالله في رجب ، كما تقدم .

والزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ، القرشي الزبيري ، قاضي مكة قدم بغداد وحدث بها ، وله كتاب " أنساب قريش " ، وكان من أعلم الناس بذلك ، وكتابه في ذلك حافل جدا . وقد روى عنه ابن ماجه وغيره ، وقد وثقه الدارقطني والخطيب وأثنى عليه وعلى كتابه . وتوفي بمكة عن أربع وثمانين سنة في ذي القعدة من هذه السنة ، ودفن بمكة رحمه الله .

البخاري صاحب " الصحيح
" .

وقد ذكرنا له ترجمة حافلة في أول شرحنا " لصحيحه " ، ولنذكر هاهنا نبذة يسيرة من ذلك ، فنقول وبالله المستعان : هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه ، ويقال : بذدزبه ، الجعفي مولاهم ، أبو عبد الله البخاري الحافظ ، إمام أهل الحديث [ ص: 527 ] في زمانه ، والمقتدى به في أوانه ، والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه ، وكتابه " الصحيح " يستسقى بقراءته الغمام ، وأجمع على قبوله وصحة ما فيه أهل الإسلام .

ولد البخاري - رحمه الله - في ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ، ومات أبوه وهو صغير ، فنشأ في حجر أمه ، فألهمه الله حفظ الحديث وهو في المكتب ، وقرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشرة سنة حتى قيل : إنه كان يحفظ وهو صبي سبعين ألف حديث سردا . وحج وعمره ثماني عشرة سنة ، فأقام بمكة يطلب بها الحديث ، ثم ارتحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنه الرحلة إليها ، وكتب عن أكثر من ألف شيخ ، وروى عنه خلائق وأمم .

وقد روى الخطيب البغدادي عن الفربري ، أنه قال : سمع " الصحيح " من البخاري معي نحو من تسعين ألفا ، لم يبق منهم أحد غيري .

وقد روي " البخاري " من طريق الفربري - كما هي رواية الناس اليوم من طريقه - وحماد بن شاكر ، وإبراهيم بن معقل ، وطاهر بن محمد بن مخلد ، وآخر من حدث عنه أبو طلحة منصور بن محمد بن علي البزدوي النسفي ، [ ص: 528 ] وقد توفي النسفي هذا في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة ، ووثقه الأمير أبو نصر بن ماكولا . وممن روى عن البخاري مسلم في غير " الصحيح " ، وكان مسلم يتلمذ له ويعظمه ، وروى عنه الترمذي في " جامعه " ، والنسائي في " سننه " في قول بعضهم .

وقد دخل بغداد ثمان مرات ، وفي كل منها يجتمع بالإمام أحمد بن حنبل فيحثه أحمد على المقام ببغداد ، ويلومه على الإقامة بخراسان .

وقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوري السراج ، ويكتب الفائدة تمر بخاطره ثم يطفئ سراجه ، ثم يقوم مرة أخرى حتى كان يتعدد ذلك منه قريبا من عشرين مرة .

وقد كان أصيب بصره وهو صغير ، فرأت أمه إبراهيم الخليل ، عليه الصلاة والسلام ، فقال : يا هذه ، قد رد الله على ولدك بصره بكثرة دعائك ، أو قال : بكائك . فأصبح وهو بصير .

وقال البخاري : فكرت البارحة فإذا أنا قد كتبت في مصنفاتي نحوا من مائتي ألف حديث مسندة . وكان يحفظها كلها .

ودخل مرة إلى سمرقند فاجتمع به أربعمائة من علماء الحديث بها ، فركبوا [ ص: 529 ] له أسانيد وأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق ، وخلطوا الرجال في الأسانيد ، وجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها ، ثم قرءوها على البخاري ، فرد كل حديث إلى إسناده ، وقوم تلك الأحاديث والأسانيد كلها ، وما تعلقوا عليه بسقطة في إسناد ولا في متن . وكذلك صنع بمائة محدث في أهل بغداد .

وقد ذكروا أنه كان ينظر في الكتاب مرة واحدة فيحفظ ما فيه من نظرة واحدة ، والأخبار عنه في هذا المعنى كثيرة .

وقد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه ; فقال الإمام أحمد : ما أخرجت خراسان مثله . وقال علي بن المديني : لم ير البخاري مثل نفسه . وقال إسحاق بن راهويه : لو كان في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه لمعرفته بالحديث وفقهه . وقال أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير : ما رأينا مثله . وقال علي بن حجر : لا أعلم مثله . وقال محمود بن النضر أبو سهل الشافعي : دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ، ورأيت علماءها كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري فضلوه على أنفسهم . وقال أبو العباس الدغولي : كتب أهل بغداد إلى البخاري :

[ ص: 530 ]

المسلمون بخير ما حييت لهم وليس بعدك خير حين تفتقد

وقال الفلاس : كل حديث لا يعرفه البخاري فليس بحديث . وقال نعيم بن حماد : هو فقيه هذه الأمة . وكذا قال يعقوب بن إبراهيم الدورقي . ومنهم من فضله في الفقه والحديث على الإمام أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه .

وقال قتيبة بن سعيد : رحل إلي من شرق الأرض وغربها ، فما رحل إلي مثل محمد بن إسماعيل البخاري . وقال رجاء بن مرجى : فضل البخاري على العلماء - يعني في زمانه - كفضل الرجال على النساء . وقال : هو آية من آيات الله يمشي على الأرض . وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدرامي : محمد بن إسماعيل البخاري أفقهنا وأعلمنا وأغوصنا وأكثرنا طلبا .

وقال إسحاق بن راهويه : هو أبصر مني . وقال أبو حاتم الرازي : محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق . وقال عبيد العجلي : رأيت [ ص: 531 ] أبا حاتم وأبا زرعة يجلسان إليه يستمعان ما يقول ، ولم يكن مسلم يبلغه ، وكان أعلم من محمد بن يحيى الذهلي بكذا وكذا ، وكان دينا فاضلا يحسن كل شيء . وقال غيره : رأيت محمد بن يحيى الذهلي يسأل البخاري عن الأسامي والكنى والعلل ، وهو يمر فيه كالسهم ، كأنه يقرأ : قل هو الله أحد [ الإخلاص : 1 ] .

وقال أحمد بن حمدون القصار : رأيت مسلم بن الحجاج جاء إلى البخاري فقبل بين عينيه ، وقال : دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين ، وسيد المحدثين ، وطبيب الحديث في علله . ثم سأله عن حديث كفارة المجلس ، فذكر له علته ، فلما فرغ قال مسلم : لا يبغضك إلا حاسد ، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك . وقال الترمذي : لم أر بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من البخاري . وكنا يوما عند عبد الله بن منير ، فقال للبخاري : جعلك الله زين هذه الأمة . قال الترمذي : فاستجيب له فيه .

وقال ابن خزيمة : ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري . ولو ذهبنا نسطر ما أثنى عليه الأئمة في حفظه وإتقانه وعلمه وفقهه وورعه وزهده وتبحره لطال علينا ، ونحن على عجل من أجل الحوادث ، وقد ذكرنا ذلك مبسوطا في أول شرح " الصحيح " ، والله سبحانه وتعالى هو المستعان .

[ ص: 532 ] وقد كان البخاري ، رحمه الله ، في غاية الحياء والشجاعة والسخاء والورع والزهد في الدنيا دار الفناء ، والرغبة في الآخرة دار البقاء . قال : أرجو أن ألقى الله وليس أحد يطالبني أني اغتبته . فذكر له " التاريخ " وما ذكر فيه من الجرح والتعديل وغير ذلك ، فقال : ليس هذا من هذا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ائذنوا له ، فلبئس أخو العشيرة ونحن إنما روينا ذلك رواية ، ولم نقله من عند أنفسنا .

وقد كان - رحمه الله - يصلي في كل ليلة ثلاث عشرة ركعة ، وكان يختم القرآن في كل ليلة من رمضان ختمة ، وكانت له جدة ومال جيد ينفق منه سرا وجهرا ، وكان يكثر الصدقة بالليل والنهار سرا وعلانية ، وكان مستجاب الدعوة ، مسدد الرمية ، شريف النفس ; بعث إليه بعض السلاطين ليأتيه حتى يسمع أولاده عليه ، فأرسل إليه : في بيته يؤتى الحكم ، إن كنتم تريدون ذلك فهلموا إلي ، وأبى أن يذهب إليهم - وهو خالد بن أحمد الذهلي ، نائب الظاهرية ببخارى - فبقي في نفس الأمير من ذلك ; فاتفق أن جاءه كتاب من محمد بن يحيى الذهلي من نيسابور بأن البخاري يقول بأن لفظه بالقرآن مخلوق - وكان وقد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي وبين البخاري في ذلك كلام ، وصنف البخاري في ذلك كتاب " خلق أفعال العباد " - فأراد أن يصرف الناس عن السماع من البخاري ، وقد كان الناس يعظمونه جدا ، وحين رجع إليهم نثروا على رأسه الذهب والفضة يوم دخل بخارى عائدا إلى أهله ، وكان [ ص: 533 ] له مجلس الإملاء بجامعها ، فلم يقبلوا من الأمير ، فأمر عند ذلك بنفيه من البلاد ، فخرج منها ودعا على خالد بن أحمد ، فلم يمض شهر حتى أمر ابن طاهر بأن ينادى على خالد بن أحمد على أتان ، وزال ملكه وسجن في بغداد حتى مات ، ولم يبق أحد ساعده على ذلك إلا ابتلي ببلاء شديد . فنزح البخاري من بلده إلى بلدة يقال لها : خرتنك . على فرسخين من سمرقند فنزل عند أقارب له بها ، وجعل يدعو الله أن يقبضه إليه حين رأى الفتن ; كما جاء في الحديث : وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين .

ثم اتفق مرضه على إثر ذلك ، فكانت وفاته ليلة عيد الفطر ، وكانت ليلة السبت ، عند صلاة العشاء وصلي عليه يوم العيد بعد الظهر من هذه السنة - أعني سنة ست وخمسين ومائتين - وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ، وفق ما أوصى به ، وحين دفن فاحت من قبره رائحة غالية أطيب من المسك ، فدام ذلك أياما ، ثم علت سوار بيض مستطيلة بحذاء قبره . وكان عمره يوم مات - رحمه الله - ثنتين وستين سنة .

وقد ترك - رحمه الله - بعده علما نافعا لجميع المسلمين ، فعمله فيه لم ينقطع بل هو موصول بما أسداه من الصالحات في الحياة ; وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ، من علم ينتفع به الحديث . رواه مسلم .

[ ص: 534 ] وشرطه في " صحيحه " هذا أعز من شرط كل كتاب صنف في " الصحيح " ، لا يوازيه فيه غيره ، لا " صحيح مسلم " ولا غيره . وما أحسن ما قال بعض الفصحاء من الشعراء :


صحيح البخاري لو أنصفوه     لما خط إلا بماء الذهب
هو الفرق بين الهدى والعمى     هو السد بين الفتى والعطب
أسانيد مثل نجوم السماء     أمام متون كمثل الشهب
بها قام ميزان دين الرسول     ودان به العجم بعد العرب
حجاب من النار لا شك فيه     تميز بين الرضا والغضب
وستر رقيق إلى المصطفى     ونص مبين لكشف الريب
فيا عالما أجمع العالمون     على فضل رتبته في الرتب
سبقت الأئمة في ما جمعت     وفزت على زعمهم بالقصب
نفيت الضعيف من الناقلين     ومن كان متهما بالكذب
وأبرزت في حسن ترتيبه     وتبويبه عجبا للعجب
فأعطاك مولاك ما تشتهيه     وأجزل حظك فيما وهب

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث