الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من توفي فيها من الأعيان

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وممن توفي فيها من الأعيان :

أحمد بن سليمان الرهاوي .

وأحمد بن عبد الله العجلي .

والحسن بن أبي الشوارب بمكة .

وداود بن القاسم الجعفري .

وشعيب بن أيوب .

وعبد الله بن الواثق ، أخو المهتدي بالله .

وأبو شعيب السوسي .

وأبو يزيد البسطامي ، أحد أئمة الصوفية .

وعلي بن إشكاب . وأخوه [ ص: 551 ] محمد .

ومسلم بن الحجاج .

صاحب " الصحيح " ، رحمهم الله تعالى .

وهذا ذكر شيء من أخبار مسلم بن الحجاج على سبيل الاختصار ، رحمه الله ، وأكرم مثواه

هو مسلم بن الحجاج بن مسلم ، أبو الحسين القشيري النيسابوري ، أحد الأئمة من حفاظ الحديث ، صاحب " الصحيح " الذي هو تلو " الصحيح " للبخاري عند أكثر العلماء ، وذهب المغاربة ، وأبو علي النيسابوري شيخ الحاكم النيسابوري من المشارقة إلى تفضيل " صحيح " مسلم على " صحيح " البخاري ، فإن أرادوا تقديمه عليه في كونه ليس فيه شيء من التعليقات إلا القليل ، وأنه يسوق الأحاديث بتمامها في موضع واحد ، ولا يقطعها كتقطيع البخاري لها في الأبواب ، فهذا القدر لا يوازي قوة أسانيد البخاري ، واختياره في تصحيح ما أورده في " جامعه " معاصرة الراوي لشيخه وسماعه منه في الجملة ، فإن مسلما لا يشترط في كتابه الشرط الثاني ، كما هو مقرر في علوم الحديث ، وقد بسطنا ذلك في أول شرح " البخاري " ، ولله الحمد والمنة ، في ترجمة الإمام البخاري ، رحمه الله .

[ ص: 552 ] والمقصود الآن أن مسلما دخل إلى العراق والحجاز والشام ومصر ، وسمع من جماعة كثيرين قد أوردهم شيخنا الحافظ المزي في " تهذيبه " مرتبين على حروف المعجم .

وروى عنه جماعة كثيرون ; منهم الترمذي في " جامعه " حديثا واحدا ; وهو حديث محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أحصوا هلال شعبان لرمضان وصالح بن محمد جزرة ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم ، وابن خزيمة ، وابن صاعد ، وأبو عوانة الإسفراييني .

وقال الخطيب البغدادي : أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب ، أخبرنا محمد بن نعيم الضبي ، أخبرنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم ، سمعت أحمد بن سلمة يقول : رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما .

وأخبرني ابن يعقوب ، أخبرنا محمد بن نعيم ، سمعت الحسين بن محمد الماسرجسي يقول : سمعت أبي يقول : سمعت مسلم بن الحجاج يقول : صنفت هذا " المسند الصحيح " من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة .

[ ص: 553 ] وروى الخطيب قائلا : حدثني أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني بأصبهان ، سمعت محمد بن إسحاق بن منده ، سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوري يقول : ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث .

وقد ذكر مسلم عند إسحاق بن راهويه ، فقال بالعجمية ما معناه : أي رجل كان هذا ؟

وقال إسحاق بن منصور لمسلم : لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين . وقد أثنى عليه جماعة من علماء أهل الحديث وغيرهم .

وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب الأخرم : قل ما يفوت البخاري ومسلما مما يثبت في الحديث .

وروى الخطيب ، عن أبي عمرو محمد بن أحمد بن حمدان الحيري قال : سألت أبا العباس أحمد بن سعيد بن عقدة الحافظ عن البخاري ومسلم ، أيهما أعلم ؟ فقال : كان البخاري عالما ومسلم عالما . فكررت ذلك [ ص: 554 ] عليه مرارا ، وهو يرد علي هذا الجواب ، ثم قال لي : يا أبا عمرو ، قد يقع للبخاري الغلط في أهل الشام ; وذلك أنه أخذ كتبهم فنظر فيها ، فربما ذكر الواحد منهم بكنيته ، ويذكره في موضع آخر باسمه ، ويتوهم أنهما اثنان ، فأما مسلم فقل ما يقع له الغلط لأنه كتب المسانيد ولم يكتب المقاطيع والمراسيل .

قال الخطيب : إنما قفا مسلم طريق البخاري ، ونظر في علمه ، وحذا حذوه ، ولما ورد البخاري نيسابور في آخر أمره لازمه مسلم ، وأدام الاختلاف إليه . وقد حدثني عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي قال : سمعت أبا الحسن الدارقطني يقول : لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء .

قال الخطيب : وأخبرني أبو بكر المنكدري ، حدثنا محمد بن عبد الله الحافظ ، حدثني أبو نصر بن محمد الوراق ، سمعت أبا حامد أحمد بن حمدان القصار ، سمعت مسلم بن الحجاج ، وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبل بين عينيه ، وقال : دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين ، وسيد المحدثين ، وطبيب الحديث في علله ، حدثك محمد بن سلام ، حدثنا مخلد بن يزيد الحراني ، حدثنا ابن جريج ، عن موسى بن عقبة عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة المجلس ، فما علته ؟ فقال البخاري : هذا حديث مليح ، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا [ ص: 555 ] الحديث ، إلا أنه معلول ; ثنا به موسى بن إسماعيل ، ثنا وهيب ، عن سهيل ، عن عون بن عبد الله قوله ، قال البخاري : وهذا أولى ; فإنه لا يعرف لموسى بن عقبة سماع من سهيل .

قلت : وقد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدة ، وأوردت فيه طرقه وألفاظه ومتنه وعلله ، ولله الحمد والمنة .

قال الخطيب : وقد كان مسلم يناضل عن البخاري ، رحمهما الله . ثم ذكر ما كان وقع بين البخاري ومحمد بن يحيى الذهلي في مسألة اللفظ بالقرآن في نيسابور وكيف نودي على البخاري بسبب ذلك بنيسابور ، وأن الذهلي قال يوما لأهل مجلسه ، وفيهم مسلم بن الحجاج : ألا من كان يقول بقول البخاري في مسألة اللفظ بالقرآن فليعتزل مجلسنا . فنهض مسلم من فوره إلى منزله ، وجمع ما كان سمعه من الذهلي جميعه ، وأرسل به إليه ، وترك الرواية عن الذهلي بالكلية ، فلم يرو عنه شيئا لا في " صحيحه " ، ولا في غيره واستحكمت الوحشة بينهما . هذا ولم يترك البخاري محمد بن يحيى الذهلي ، بل روى عنه في " صحيحه " وغيره وعذره ، رحمه الله .

وقد ذكر الخطيب سبب موت مسلم - رحمه الله - أنه عقد له مجلس للمذاكرة ، فسئل يوما عن حديث لم يعرفه ، فانصرف إلى منزله ، فأوقد السراج ، وقال لأهله : لا يدخل أحد الليلة علي . وقد أهديت له سلة من تمر فهي عنده ; يأكل منها تمرة ويكشف حديثا ، ثم يأكل أخرى ، ويكشف آخر ، ولم [ ص: 556 ] يزل ذلك دأبه حتى أصبح وقد أكل تلك السلة وهو لا يشعر ، فحصل له بسبب ذلك ثقل ، ومرض من ذلك حتى كانت وفاته عشية يوم الأحد ، ودفن يوم الإثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور ، وكان مولده في السنة التي توفي فيها الشافعي ; وهي سنة أربع ومائتين ، وكان عمره سبعا وخمسين سنة . رحمه الله تعالى .

أبو يزيد البسطامي :

اسمه طيفور بن عيسى بن آدم بن عيسى بن علي ، أحد مشايخ الصوفية ، وكان جده مجوسيا فأسلم ، وكان لأبي يزيد أخوان صالحان عابدان وهو أجل منهما ، وقيل له : بأي شيء وصلت إلى هذه المعرفة ؟ فقال : ببطن جائع وبدن عار . وكان يقول : دعوت نفسي إلى طاعة الله فلم تجبني ، فمنعتها الماء سنة . وقال أيضا : إذا نظرتم إلى الرجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء ، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة . قال القاضي ابن خلكان : وله مقامات كثيرة ومجاهدات مشهورة وكرامات ظاهرة ، وكانت وفاته سنة إحدى وستين ومائتين رحمه الله . قلت : قد حكي عنه كلمات فيها شطح ، وقد تكلم كثير من العلماء من الصوفية والفقهاء عليها ; [ ص: 557 ] فمن متأول على المحامل البعيدة ، أو قائل : إن هذا قاله في حال الاصطلام والسكر ، ومن مبدع ومخطئ ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث