الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وهذه ترجمته

هو هارون الرشيد أمير المؤمنين ، ابن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ، أبو محمد ، ويقال : أبو جعفر . وأمه الخيزران أم ولد ، وكان مولده في شوال سنة ست ، وقيل : سبع ، وقيل : ثمان وأربعين ومائة . وقيل : إنه ولد [ ص: 28 ] سنة خمسين ومائة ، وبويع له بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي في ربيع الأول سنة سبعين ومائة ، بعهد من أبيه المهدي كما تقدم .

روى الحديث عن أبيه وجده ، وحدث عن المبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اتقوا النار ، ولو بشق تمرة أورده وهو على المنبر ، وهو يخطب الناس . وقد حدث عنه ابنه ، وسليمان الهاشمي ، والد إسحاق ، ونباتة بن عمرو . وكان الرشيد أبيض طويلا سمينا جميلا .

وقد غزا الصائفة في حياة أبيه مرارا ، وعقد الهدنة بين المسلمين ، والروم بعد محاصرته القسطنطينية وقد لقي المسلمون من ذلك جهدا جهيدا ، وخوفا شديدا ، وكان الصلح مع امرأة أليون ، وهي الملقبة بأغسطة على حمل كثير تبذله للمسلمين في كل عام ، ففرح المسلمون في المشارق والمغارب كما تقدم ، فهذا هو الذي حدا أباه على أن بايع له بولاية العهد بعد أخيه موسى الهادي ، وذلك في سنة ست وستين ومائة . ثم لما أفضت الخلافة إليه بعد أخيه في سنة سبعين ومائة ، كان من أحسن الناس سيرة ، وأكثرهم غزوا وحجا بنفسه ، ولهذا قال فيه أبو السعلي :

[ ص: 29 ]

فمن يطلب لقاءك أو يرده فبالحرمين أو أقصى الثغور     ففي أرض العدو على طمر
وفي أرض البنية فوق كور     وما حاز الثغور سواك خلق
من المستخلفين على الأمور

وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم ، وإذا حج أحج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم ، وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة بالنفقة السابغة ، والكسوة التامة ، وكان يحب التشبه بجده أبي جعفر المنصور إلا في العطاء ، فإنه كان سريع العطاء جزيله ، وكان يحب الفقهاء ، والشعراء ، ويعطيهم كثيرا ، ولا يضيع لديه بر ولا معروف ، وكان نقش خاتمه : لا إله إلا الله . وكان يصلي في كل يوم مائة ركعة تطوعا ، إلى أن فارق الدنيا ، إلا أن تعرض له علة .

وكان ابن أبي مريم المدني هو الذي يضحكه ، وكان عنده فضيلة بأخبار الحجاز ، وغيرها ، وكان الرشيد قد أنزله في قصره ، وخلطه بأهله . نبهه الرشيد يوما إلى صلاة الصبح فقام فتوضأ ثم أدرك الرشيد ، وهو يقرأ وما لي لا أعبد الذي فطرني [ يس : 22 ] فقال ابن أبي مريم : لا أدري والله . فضحك الرشيد ، وقطع الصلاة ، ثم أقبل عليه ، وقال : ويحك ! اجتنب الصلاة والقرآن ، [ ص: 30 ] ولك ما عدا ذلك .

ودخل يوما العباس بن محمد على الرشيد ، ومعه برنية من فضة فيها غالية من أحسن الطيب ، فجعل يمدحها ، ويزيد في شكرها ، وسأل من الرشيد أن يقبلها منه فقبلها ، فاستوهبها منه ابن أبي مريم فوهبها له ، فقال له العباس : ويحك ! جئت بشيء منعته نفسي ، وآثرت به سيدي فأخذته . فحلف ابن مريم ليطيبن به استه ، ثم أخذ منها شيئا فطلى به استه ، ودهن جوارحه كلها منها ، والرشيد لا يتمالك نفسه من الضحك . ثم قال لخادم قائم يقال له خاقان : اطلب لي غلامي . فقال الرشيد : ادع له غلامه . فقال له : خذ هذه الغالية ، واذهب بها إلى ستك فمرها فلتطيب منها استها حتى أرجع إليها فأنيكها . فذهب الضحك بالرشيد كل مذهب ، ثم أقبل ابن أبي مريم على العباس بن محمد ، فقال له : جئت بهذه الغالية تمدحها عند أمير المؤمنين الذي ما تمطر السماء شيئا ، ولا تنبت الأرض شيئا إلا وهو تحت تصرفه ، وفي يده ؟ وأعجب من هذا أن قيل لملك الموت : ما أمرك به هذا فأنفذه . وأنت تمدح هذه الغالية عنده كأنه بقال ، أو خباز ، أو طباخ ، أو تمار . فكاد الرشيد يهلك من شدة [ ص: 31 ] الضحك ثم أمر لابن أبي مريم بمائة ألف درهم .

وقد شرب الرشيد يوما دواء فسأله ابن أبي مريم أن يلي الحجابة في هذا اليوم ، ومهما حصل له فهو بينه وبين أمير المؤمنين ، فولاه الحجابة ، فجاءت الرسل بالهدايا من كل جانب من عند زبيدة ، والبرامكة ، وكبار الأمراء ، فكان حاصله في هذا اليوم ستين ألف دينار ، فسأله الرشيد في اليوم الثاني عما تحصل ، فأخبره ، قال : فأين نصيبي ؟ قال : معزول . قال : قد صالحتك عليه بعشرة آلاف تفاحة .

وقد استدعى إليه أبا معاوية الضرير محمد بن خازم ليسمع منه الحديث ، قال أبو معاوية : ما ذكرت عنده في حديث رسول الله إلا قال : صلى الله وسلم على سيدي . وإذا سمع حديثا فيه موعظة يبكي حتى يبل الثرى . وأكلت عنده يوما ثم قمت لأغسل يدي فصب الماء علي ، وأنا لا أراه ، ثم قال : يا أبا معاوية ، أتدري من يصب عليك ؟ قلت : لا . قال : أنا . فدعا له أبو معاوية الضرير ، فقال : إنما أردت تعظيم العلم ، وقد حدثه أبو معاوية يوما عن [ ص: 32 ] الأعمش عن أبي صالح ، عن أبي هريرة بحديث : " " احتج آدم ، وموسى " " فقال عم الرشيد : أين التقيا يا أبا معاوية ؟ فغضب الرشيد من ذلك غضبا شديدا ، وقال : أتعترض على الحديث ؟ ! علي بالنطع ، والسيف . فأحضر ذلك ، فقام الناس إليه يشفعون فيه ، فقال الرشيد : هذه زندقة . ثم أمر بسجنه ، وقال : لا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا . فأقسم بالأيمان المغلظة ما قال له أحد وإنما كانت بادرة مني ، فأطلقه .

وقال بعضهم : دخلت على هارون الرشيد وبين يديه رجل مضروب العنق ، والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول ، فقال هارون : قتلته لأنه قال : القرآن مخلوق . فقتلته قربة إلى الله عز وجل . وقال له بعض أهل العلم : يا أمير المؤمنين ، انظر هؤلاء الذين يحبون أبا بكر ، وعمر ، ويقدمونهما فأكرمهم يعز سلطانك . فقال الرشيد : أولست كذلك ؟ ! أنا والله كذلك أحبهما ، وأحب من يحبهما ، وأعاقب من يبغضهما .

وقال له ابن السماك أو غيره : يا أمير المؤمنين ، إن الله لم يجعل أحدا من هؤلاء فوقك ، فاجتهد أن لا يكون فيهم أحد أطوع إلى الله منك . فقال : لئن كنت أقصرت في الكلام لقد أبلغت في الموعظة .

[ ص: 33 ] ودخل عليه ابن السماك يوما فاستسقى الرشيد فأتي بقلة فيها ماء مبرد ، فقال لابن السماك : عظني . فقال : يا أمير المؤمنين ، بكم كنت مشتريا هذه الشربة لو منعتها ؟ فقال : بنصف ملكي . فقال : اشرب هنيئا . فلما شرب قال : أرأيت لو منعت خروجها من بدنك ، بكم كنت تشتري ذلك ؟ قال : بملكي كله . فقال : إن ملكا قيمته شربة ماء لخليق أن لا يتنافس فيه . فبكى هارون .

وقال ابن قتيبة : ثنا الرياشي ، سمعت الأصمعي ، يقول : دخلت على الرشيد ، وهو يقلم أظفاره يوم الجمعة ، فقلت له في ذلك ، فقال : أخذ الأظفار يوم الخميس من السنة ، وبلغني أن أخذها يوم الجمعة ينفي الفقر ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، أو تخشى الفقر ؟ ! فقال : يا أصمعي ، وهل أحد أخشى للفقر منى ؟

وروى ابن عساكر ، عن إبراهيم بن المهدي قال : كنت يوما عند الرشيد فدعا طباخه ، فقال : أعندك في الطعام لحم جزور ؟ قال : نعم ، ألوان منه . فقال : أحضره مع الطعام ، فلما وضع بين يديه أخذ لقمة منه ، فوضعها في فيه ، فضحك جعفر البرمكي ، فترك الرشيد مضغ اللقمة ، وأقبل عليه ، فقال : [ ص: 34 ] مم تضحك ؟ قال : لا شيء يا أمير المؤمنين ، ذكرت كلاما دار بيني وبين جاريتي البارحة . فقال : بحقي عليك لما أخبرتني به . قال : حتى تأكل هذه اللقمة ، فألقاها من فيه ، وقال : والله لتخبرني . فقال : يا أمير المؤمنين ، بكم تقول إن هذا الطعام من لحم الجزور يقوم عليك ؟ قال : بأربعة دراهم . قال : لا ، والله يا أمير المؤمنين ، بل بأربعمائة ألف درهم . قال : وكيف ذلك ؟ قال : إنك طلبت من طباخك هذا لحم جزور قبل هذا اليوم بمدة طويلة فلم يوجد عنده ، فقلت : لا يخلون المطبخ من لحم جزور ، فنحن ننحر كل يوم جزورا ؛ لأنا لا نشتري لحم الجزور من السوق ، فصرف في لحم الجزور من ذلك اليوم إلى هذا اليوم أربعمائة ألف درهم ، ولم يطلب أمير المؤمنين لحم الجزور إلا هذا اليوم ، قال جعفر : فضحكت ؛ لأن أمير المؤمنين إنما ناله من ذلك هذه اللقمة ، فهي على أمير المؤمنين بأربعمائة ألف . قال : فبكى الرشيد بكاء شديدا ، وأقبل على نفسه يوبخها ، ويقول : هلكت والله يا هارون . وأمر برفع السماط من بين يديه ، ولم يزل يبكي حتى آذنه المؤذنون بصلاة الظهر ، فخرج ، فصلى بالناس ، ثم رجع يبكي ، وقد أمر بألفي ألف تصرف إلى فقراء الحرمين ، في كل حرم ألف ألف صدقة ، وأمر بألفي ألف يتصدق بها في جانبي بغداد ؛ الغربي ، والشرقي ، وبألف ألف يتصدق بها على [ ص: 35 ] فقراء الكوفة والبصرة . ثم خرج لصلاة العصر ، ثم رجع يبكي حتى صلى المغرب ، ثم رجع ، فدخل عليه أبو يوسف القاضي ، فقال : ما شأنك يا أمير المؤمنين باكيا في هذا اليوم ؟ فذكر أمره ، وما صرف من المال الجزيل لأجل شهوته ، وإنما ناله منها لقمة ، فقال أبو يوسف لجعفر : هل كان ما يذبحونه من الجزور يفسد ، أو يأكله الناس ؟ قال : بل يأكله الناس . فقال : أبشر يا أمير المؤمنين بثواب الله فيما صرفته من المال الذي أكله المسلمون في الأيام الماضية ، وبما يسره الله عليك من الصدقة في هذا اليوم على الفقراء ، وبما رزقك الله من خشيته وخوفه في هذا اليوم ، وقد قال الله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان [ الرحمن : 46 ] فأمر له الرشيد بأربعمائة ألف ، ثم استدعى بطعام ، فأكل منه فكان غداؤه في ذلك اليوم عشاء .

وقال عمرو بن بحر الجاحظ : اجتمع للرشيد من الجد والهزل ما لم يجتمع لغيره ، كان أبو يوسف قاضيه ، والبرامكة وزراءه ، وحاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس ، وأشدهم تعاظما ، ونديمه عم أبيه العباس بن محمد صاحب العباسية ، وشاعره مروان بن أبي حفصة ومغنيه إبراهيم الموصلي واحد [ ص: 36 ] عصره في صناعته وضاربه زلزل ، وزامره برصوما ، وزوجته أم جعفر يعني زبيدة ، وكانت أرغب الناس في كل خير ، وأسرعهم إلى كل بر ومعروف ، أدخلت الماء الحرم بعد امتناعه من ذلك ، إلى أشياء من المعروف .

وروى الخطيب البغدادي أن الرشيد كان يقول : إنا من قوم عظمت رزيتهم ، وحسنت بقيتهم ، ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبقيت فينا خلافة الله عز وجل .

وبينما الرشيد يطوف يوما بالبيت إذ عرض له رجل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة . فقال : لا ، ولا نعمت عين ، قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني فأمره أن يقول له قولا لينا .

وعن شعيب بن حرب ، قال : رأيت الرشيد في طريق مكة فقلت في نفسي : قد وجب عليك الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، فخوفتني ، وقالت : إنه الآن يضرب عنقك . فقلت : لا بد من ذلك . فناديته : فقلت : يا هارون ، قد أتعبت الأمة ، والبهائم . فقال : خذوه . فأدخلت عليه ، وفي يده [ ص: 37 ] لت من حديد يلعب به ، وهو جالس على كرسي ، فقال : ممن الرجل ؟ فقلت : رجل من المسلمين . فقال : ثكلتك أمك ، ممن أنت ؟ فقلت : من الأبناء . فقال : ما حملك على أن دعوتني باسمي ؟ قال : فخطر ببالي شيء لم يخطر ببالي قبل ذلك ، فقلت : أنا أدعو الله باسمه ، يا الله ، يا رحمن أفلا أدعوك باسمك ؟ ! وهذا الله سبحانه قد دعا أحب خلقه إليه باسمه : محمدا ، وكنى أبغض الخلق إليه ، فقال تبت يدا أبي لهب [ المسد : 1 ] فقال الرشيد : أخرجوه أخرجوه .

وقال له ابن السماك يوما : يا أمير المؤمنين ، إنك تموت وحدك ، وتقبر وحدك ، فاحذر المقام بين يدي الجبار ، والوقوف بين الجنة والنار ، حين يؤخذ بالكظم ، وتزل القدم ، ويقع الندم ، فلا توبة تنال ، ولا عثرة تقال ، ولا يقبل فداء بمال . فجعل الرشيد يبكي حتى علا صوته ، فقال يحيى بن خالد له : يا ابن السماك لقد شققت على أمير المؤمنين الليلة . فقام فخرج من عنده ، وهو يبكي .

[ ص: 38 ] وقال له الفضيل بن عياض في جملة موعظته تلك الليلة بمكة : يا صبيح الوجه ، إنك مسئول عن هؤلاء كلهم ، وقد قال الله تعالى وتقطعت بهم الأسباب [ البقرة : 166 ] قال : حدثنا ليث ، عن مجاهد : الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا . فبكى حتى جعل يشهق .

وقال الأصمعي : استدعاني الرشيد يوما ، وقد زخرف منازله ، وأكثر الطعام ، والشراب ، واللذات فيها ، ثم استدعى أبا العتاهية ، فقال له : صف لنا ما نحن فيه من العيش ، والنعيم ، فأنشأ يقول :


عش ما بدا لك سالما     في ظل شاهقة القصور
يسعى عليك بما اشتهي     ت لدى الرواح وفي البكور
فإذا النفوس تقعقعت     عن ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقنا     ما كنت إلا في غرور

قال : فبكى الرشيد بكاء شديدا . فقال الفضل بن يحيى : دعاك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته ؟ فقال له الرشيد : دعه ؛ فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا عمى .

ومن وجه آخر أن الرشيد قال لأبي العتاهية : عظني بأبيات من الشعر [ ص: 39 ] وأوجز . فأنشأ يقول :


لا تأمن الموت في طرف ولا نفس     ولو تمنعت بالحجاب والحرس
واعلم بأن سهام الموت قاصدة     لكل مدرع منها ومترس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها     إن السفينة لا تجري على اليبس

قال : فخر الرشيد مغشيا عليه .

وقد حبس الرشيد مرة أبا العتاهية ، وأرصد عليه من يأتيه بما يقول ، فكتب مرة على جدار الحبس :


أما والله إن الظلم لوم     وما زال المسيء هو الظلوم
إلى ديان يوم الدين نمضي     وعند الله تجتمع الخصوم

قال : فاستدعاه واستجعله في حل ، ووهبه ألف دينار ، وأطلقه .

وقال الحسين بن الفهم : ثنا محمد بن عباد ، عن سفيان بن عيينة ، قال : دخلت على الرشيد فقال : ما خبرك ؟ فقلت :


بعين الله ما تخفى البيوت     فقد طال التحمل والسكوت

فقال : يا فلان ، مائة ألف لابن عيينة تغنيه ، وتغني عقبه ، ولا تضر الرشيد شيئا .

[ ص: 40 ] وقال الأصمعي : كنت مع الرشيد في الحج ، فمررنا بواد ، فإذا على شفيره امرأة صبية حسناء بين يديها قصعة ، وهي تسأل فيها ، وتقول :


طحطحتنا طحاطح الأعوام     ورمتنا حوادث الأيام
فأتيناكم نمد أكفا     لفضالات زادكم ، والطعام
فاطلبوا الأجر ، والمثوبة فينا     أيها الزائرون بيت الحرام
من رآني فقد رآني ، ورحلي     فارحموا غربتي ، وذل مقامي

قال الأصمعي : فذهبت إلى الرشيد فأخبرته بأمرها ، فجاء بنفسه حتى وقف عليها ، فسمعها فرحمها وبكى ، وأمر مسرورا الخادم أن يملأ قصعتها ذهبا ، فملأها حتى جعلت تفيض يمينا ، وشمالا .

وسمع مرة الرشيد أعرابيا يحدو إبله في طريق الحج ، وهو يقول :


يا أيها المجمع هما لا تهم     إنك إن تقضى لك الحمى تحم
كيف توقيك وقد جف القلم [ ص: 41 ]     وحطت الصحة منك والسقم

فقال الرشيد لبعض الخدم : ما معك ؟ قال : أربعمائة دينار . فقال : ادفعها إلى هذا الأعرابي . فلما قبضها ضرب رفيقه بيده على كتفه ، وقال متمثلا :


وكنت جليس قعقاع بن عمرو     ولا يشقى بقعقاع جليس

فأمر الرشيد بعض الخدم أن يعطي المتمثل ما معه من الذهب ، فإذا معه مائتا دينار .

قال أبو عبيدة : أصل هذا المثل أن معاوية أهديت له هدية ؛ جامات من ذهب ، ففرقها على جلسائه ، وإلى جانبه قعقاع بن عمرو ، وإلى جانب القعقاع أعرابي لم يفضل له منها شيء ، فأطرق الأعرابي حياء ، فدفع إليه القعقاع الجام الذي حصل له ، فنهض الأعرابي ، وهو يقول :


وكنت جليس قعقاع بن عمرو     ولا يشقى بقعقاع جليس

وخرج الرشيد يوما من عند زبيدة ، وهو يضحك فقيل له : مم تضحك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : دخلت إلي هذه المرأة - يعني زوجته زبيدة - فأكلت عندها ، ونمت ، فما استيقظت إلا بصوت ذهب يصب ، فقلت : ما هذا ؟ [ ص: 42 ] قالوا : هذه ثلاثمائة ألف دينار قدمت من مصر . فقالت : هبها لي يابن عم . فقلت : هي لك . ثم ما خرجت حتى عربدت علي ، وقالت : أي خير رأيت منك ؟

وقال الرشيد مرة للمفضل الضبي : ما أحسن ما قيل في الذئب ، ولك هذا الخاتم ، وشراؤه ألف وستمائة دينار ؟ فأنشد قول الشاعر :


ينام بإحدى مقلتيه ويتقي     بأخرى الرزايا فهو يقظان هاجع

فقال : ما قلت هذا إلا لتسلبنا الخاتم . ثم ألقاه إليه ، فبعثت زبيدة فاشترته منه بألف وستمائة دينار ، وبعثت به إلى الرشيد ، وقالت : إني رأيتك معجبا به . فرده إلى المفضل ، والدنانير ، وقال : ما كنا لنهب شيئا ، ونرجع فيه .

وقال الرشيد يوما للعباس بن الأحنف : أي بيت قالته العرب أرق ؟ فقال : قول جميل في بثينة :


ألا ليتني أعمى أصم تقودني     بثينة لا يخفى علي كلامها

فقال له الرشيد : فقولك أرق من هذا حيث قلت :


طاف الهوى في عباد الله كلهم     حتى إذا مر بي من بينهم وقفا

فقال العباس : فقولك يا أمير المؤمنين أرق من هذا كله :


أما يكفيك أنك تملكيني     وأن الناس كلهم عبيدي
[ ص: 43 ] وأنك لو قطعت يدي ، ورجلي     لقلت من الهوى أحسنت زيدي

قال : فضحك الرشيد ، وأعجبه ذلك .

ومن شعر الرشيد في ثلاث حظيات كن عنده من الخواص :


ملك الثلاث الآنسات عناني     وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها     وأطيعهن ، وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى     وبه قوين أعز من سلطاني

ومن شعره فيما أورده صاحب العقد في كتابه :


تبدي صدودا وتخفي تحته مقة     فالنفس راضية والطرف غضبان
يا من بذلت له خدي فزلله     وليس فوقي سوى الرحمن سلطان

وذكر أبو هفان أنه كان في دار الرشيد من الجواري ، والحظايا ، وخدمهن ، وخدم زوجته ، وأخواته أربعة آلاف جارية ، وأنهن حضرن كلهن يوما بين يديه ، وغنته المطربات فطرب جدا ، وأمر بمال فنثر عليهن ، فكان [ ص: 44 ] مبلغه ستة آلاف ألف درهم في ذلك اليوم . رواه ابن عساكر .

وروى أنه اشترى جارية من المدينة فأعجب بها جدا ، فأمر بإحضار مواليها ، ومن يلوذ بهم ليقضي حوائجهم ، فقدموا في ثمانين نفسا ، فأمر الحاجب الفضل بن الربيع أن يتلقاهم ، ويكتب حوائجهم ، فكان فيهم رجل أعرابي قد أقام بالمدينة ، وهو يهوى تلك الجارية ، فقال له الحاجب : ما حاجتك ؟ قال : حاجتي أن يجلسني أمير المؤمنين مع فلانة فأشرب ثلاثة أرطال من شراب ، فتغنيني ثلاثة أصوات . فقال : أمجنون أنت ؟ فقال : لا ، ولكن اعرض ذلك على أمير المؤمنين . فلما رجع إلى الخليفة ، ذكر له ما قال ذلك الرجل ، فأمر بإحضاره ، وأن تجلس معه الجارية بحيث ينظر إليهما ، فجلست على كرسي ، والخدام بين يديها وجلس الرجل على كرسي ، فشرب رطلا ، وقال لها : غنيني :


خليلي عوجا بارك الله فيكما     وإن لم تكن هند بأرضكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجازنا     ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا
غدا يكثر الباكون منا ، ومنكم     وتزداد داري من دياركم بعدا

فغنته ثم استعجله الخادم فشرب رطلا آخر ، وقال : غنيني ، جعلت فداك :

[ ص: 45 ]

تكلم منا في الوجوه عيوننا     فنحن سكوت ، والهوى يتكلم
ونغضب أحيانا ونرضى بطرفنا     وذلك فيما بيننا ليس يعلم

فغنته ، ثم شرب رطلا ثالثا ، وقال : غنيني جعلني الله فداك :


أحسن ما كنا تفرقنا     وخاننا الدهر ، وما خنا
فليت ذا الدهر لنا مرة     عاد لنا يوما كما كنا

قال : ثم قام الشاب إلى درجة هناك فعلاها ، ثم ألقى نفسه من أعلاها على أم رأسه فمات . فقال الرشيد : عجل الفتى ، والله لو لم يعجل لوهبتها له .

وفضائله ، ومكارمه ، ومآثره ، وأشعاره كثيرة جدا ، قد أورد الأئمة من ذلك شيئا كثيرا ، وقد ذكرنا من ذلك أنموذجا صالحا ، ولله الحمد . وقد كان الفضيل بن عياض يقول : ليس أحد أعز علينا من موت هارون الرشيد وإني لأدعو الله أن يزيد في عمره من عمري . قالوا : فلما مات الرشيد ، وظهرت تلك الفتن والاختلافات ، والقول بخلق القرآن ، عرفنا ما كان يحمل الفضيل على ذلك .

وقد تقدم ما رآه في منامه من ذلك ، وفيه تربة حمراء ، وقائل يقول : هذه تربة أمير المؤمنين وكانت بطوس . وقد روى ابن عساكر أن الرشيد رأى في منامه قائلا يقول :


كأني بهذا القصر قد باد أهله      . . . . . . . . . .

[ ص: 46 ] الشعر إلى آخره .

وقد تقدم أن ذلك رآه أخوه موسى الهادي ، وأبوه محمد المهدي ، فالله أعلم .

وقدمنا أنه أمر بحفر قبره في حياته ، وأمر بقراءة ختمة فيه ، وأنه حمل حتى نظر إليه فجعل يقول : إلى هاهنا تصير يابن آدم! ويبكي ، وأمر أن يوسع عند صدره ، وأن يمد من عند رجليه ، ثم جعل يقول ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه [ الحاقة : 28 ، 29 ] ويبكي .

ويقال : إن آخر ما تكلم به حين احتضر : اللهم انفعنا بالإحسان ، واغفر لنا الإساءة ، يا من لا يموت ، ارحم من يموت .

وكان مرضه بالدم ، وقيل : بالسل . وكان جبريل بن بختيشوع يكتمه ما به من العلة ، فأمر الرشيد رجلا أن يأخذ ماءه في قارورة ، ويذهب به إلى جبريل فيريه إياه ، على أنه لمريض عنده ، فلما رآه قال لرجل عنده : هذا مثل ماء ذلك الرجل . ففهم صاحب القارورة من عنى به ، فقال له : بالله عليك أخبرني عن حال صاحب هذا الماء ؛ فإن لي عليه مالا ، فإن كان به رجاء ، وإلا أخذته منه . فقال : اذهب فتخلص منه ؛ فإنه لا يعيش إلا أياما . فلما جاء ، وأخبر الرشيد ، بعث إلى جبريل فتغيب حتى مات الرشيد . وقد قال الرشيد في هذه الحال :


إني بطوس مقيم ما لي     بطوس حميم أرجو إلهي
لما بي فإنه بي رحيم [ ص: 47 ]     لقد أتاني بطوس
قضاؤه المحتوم     وليس إلا رضائي
والصبر والتسليم

مات بطوس يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة . وقيل : إنه توفي في جمادى الأولى . وقيل : في ربيع الأول . وله من العمر خمس ، وقيل : ست ، وقيل : سبع ، وقيل : ثمان وأربعون سنة . ومدة ولايته للخلافة ثلاث وعشرون سنة ، وشهر ، وثمانية عشر يوما . وقيل : وثلاثة أشهر . وصلى عليه ابنه صالح ، ودفن بقرية من قرى طوس يقال لها سناباذ رحمه الله ، وسامحه ، وأدخله الجنة .

وقال بعضهم : قرأت على خيام الرشيد بسناباذ ، والناس منصرفون من طوس من بعد موته :


منازل العسكر معمورة     والمنزل الأعظم مهجور
خليفة الله بدار البلى     تسفي على أجداثه المور
أقبلت العير تباهي به     وانصرفت تندبه العير

وقد رثاه أبو الشيص فقال :

[ ص: 48 ]

غربت في الشرق شمس     فلها العينان تدمع
ما رأينا قط شمسا     غربت من حيث تطلع

وقد رثاه الشعراء بقصائد . قال أبو الفرج ابن الجوزي في " " المنتظم " " : وقد خلف الرشيد من الميراث ما لم يخلفه أحد من الخلفاء ، من الجواهر ، والأثاث ، والأمتعة سوى الضياع ، والدور ما قيمته مائة ألف ألف دينار ، وخمسة وثلاثون ألف ألف دينار . قال ابن جرير وكان في بيت المال لمصالح الناس تسعمائة ألف ألف ، ونيف .

ذكر زوجاته ، وبنيه ، وبناته

تزوج أم جعفر زبيدة بنت عمه جعفر بن أبي جعفر المنصور ، في سنة خمس وستين ومائة في حياة أبيه المهدي ، فولدت له محمدا الأمين ، وماتت في سنة ست عشرة ومائتين كما سيأتي . وتزوج أمة العزيز أم ولد كانت لأخيه موسى الهادي فولدت له علي بن الرشيد . وتزوج أم محمد بنت صالح المسكين ، والعباسة بنت عمه سليمان بن أبي جعفر ، فزفتا إليه في ليلة واحدة سنة سبع [ ص: 49 ] وثمانين ومائة بالرقة . وتزوج عزيزة بنت الغطريف ، وهي بنت خاله أخي أمه الخيزران وتزوج ابنة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان العثمانية ، ويقال لها : الجرشية . لأنها ولدت بجرش باليمن . وتوفي الرشيد عن أربع حرائر : زبيدة ، وعباسة ، وابنة صالح ، والعثمانية هذه . وأما الحظايا من الجواري فكثير جدا حتى قال بعضهم : إنه كان عنده في داره أربعة آلاف جارية .

وأما أولاده الذكور فمحمد الأمين بن زبيدة ، وعبد الله المأمون من جارية اسمها مراجل ، ومحمد أبو إسحاق المعتصم من أم ولد يقال لها : ماردة ، والقاسم المؤتمن من جارية يقال لها : قصف . وعلي أمه أمة العزيز ، وصالح من جارية اسمها رثم ، ومحمد أبو يعقوب ، ومحمد أبو عيسى ، ومحمد أبو العباس ، ومحمد أبو علي ، كل هؤلاء من أمهات أولاد .

ومن الإناث سكينة من قصف ، وأم حبيب من ماردة ، وأروى ، وأم الحسن ، وأم محمد حمدونة ، وفاطمة ، وأمها غصص ، وأم سلمة ، وخديجة ، وأم القاسم ، ورملة ، وأم علي ، وأم الغالية ، وريطة ، كلهن من أمهات أولاد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث