الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مقدمة

كثير من الأفكار الاقتصادية الإسلامية - وبخاصة في ميدان التنمية الاقتصادية - لم تسلط عليها الأضواء، بل وما زالت مجهولة من الكثيرين، مع أنها أفكار تقع في بؤرة النظام الإسلامي وتحتل مكان الصدارة فيه.

من هـذه الأفكار: فكرة إنفاق " العفو " من المال والجهد، في سبيل بناء الحياة الإسلامية، وإقامة كيان الأمة الوسط، التي تقيم معالم الحق للبشرية، تلك الفكرة التي أمرنا الله تعالى - كمسلمين - بتنفيذها والعمل بها.

ولقد وضع المسلمون الأوائل هـذه الفكرة في موضعها، وأداروا من خلالها شتى الأنشطة، فازدهرت على أيديهم الحضارة، وتحققت بجهودهم عمارة الأرض.

وفي أيامنا هـذه غيبت الفكرة من بين ما غيب من توجهات الإسلام وتعاليمه، فانقطع أثرها في الحياة العملية، ولم تعد تدفع جهود الناس إلى كل جليل من الأعمال، وكل مثمر من الأنشطة، كما كان حالنا من قبل.

وفي ظل الآمال المبشرة بالعودة إلى تحكيم الإسلام في حياتنا، والاهتداء به في تسيير شئوننا، نحاول كشف أبعاد فكرة التكليف، بإنفاق " العفو " ، في سبيل الله والمجتمع، وبيان ما هـو مطلوب عمله كي تعود هـذه الفكرة، وتحتل مكان الصدارة في نشاطنا الاقتصادي، كما ينبغي لها أن تكون.

ويتمثل ما هـو مطلوب عمله، في ضرورة جعل فكرة التكليف [ ص: 27 ] بإنفاق " العفو " من المال والجهد، وتوجيهه في شتى المجالات اللازمة لتحقيق مصالح المجتمع سلوكا للمسلم. ولكي يتسنى لنا ذلك، فلا بد من إدخال الفكرة أولا في البرنامج التربوي، الذي ينشأ عليه، حتى يتسنى إخراج الفكرة من الإطار النظري الذي تقبع فيه حاليا، لتظهر في الميدان العملي، سلوكا يعيشه المسلم، وواقعا يحياه ويمارسه.

ومن اللافت للنظر، أن هـذه الفكرة، لم تظهر كموضوع مستقل في الدراسات الفقهية، التي تقوم على استنباط الأحكام العملية من الأدلة التفصيلية، وحري بنا الآن أن نجعل موضوع " العفو " ، وموقف المسلم منه، من الموضوعات التي تحتل مساحة مناسبة في كتب الفقه، لبيان أحكامه، وفي كتب التربية، لتصطبغ به حياة المسلم، وفي كتب الاقتصاد الإسلامي، لبيان ما يترتب على الالتزام به من آثار في حياة الفرد والجماعة، وما يحدثه استشعار المسلم له من تغيير في سلوكه، وبالتالي في الواقع الذي يحيط به.

وإذا تحقق لنا ذلك، أصبحت حياتنا ممهدة لوضع سياسات إنمائية، واتخاذ إجراءات اقتصادية، تتمحور حول هـذه الفكرة، وتستخدمها طريقا لتحقيق التقدم الاقتصادي، ونقل المجتمعات الإسلامية إلى الوضع الذي يليق بمجتمعات، تنتسب إلى هـذا الدين القويم.

هذا وسنعالج هـذا الموضوع في مدخل تمهيدي، تتلوه ستة مطالب، تعقبها خاتمة. ونسأل الله تعالى أن يمدنا بعونه، وأن يجنبنا فيه - وفي غيره - الزلل، وأن يحقق ما قصدناه من القيام به، والله من وراء القصد، وهو نعم المولى ونعم النصير، وهو ولي التوفيق..

د. يوسف إبراهيم يوسف
[ ص: 28 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث