الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر أشياء من حيل الحلاج

روى الخطيب البغدادي أن الحلاج أنفذ رجلا بين يديه إلى بعض بلاد الجبل ، فأقام بتلك البلدة يظهر لهم الصلاح والنسك ويقرأ القرآن ، فأقام فيهم مدة على [ ص: 827 ] ذلك ، ثم أظهر لهم أنه قد عمي ، فمكث حينا على ذلك ، ثم أظهر أنه قد زمن ، وكان أولا يقاد إلى المسجد ثم صار يحمل ، فمكث سنة كذلك ، ثم قال لهم : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : سيرد على هذه البلدة رجل صالح يكون شفاؤك على يديه ، فما كان من قريب حتى كان الوقت الذي واعده فيه الحلاج ، ودخل الحلاج البلدة مختفيا وعليه ثياب صوف بيض فلزم سارية من المسجد يتعبد فيه لا يلتفت إلى أحد ، فابتدر الناس إلى ذلك المتعامي المتزامن ، فقيل له : قدم رجل صالح فهلم إليه ، فحملوه حتى وضعوه بين يديه فكلمه فعرفه فقال له : يا أبا عبد الله إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول لي كذا وكذا ، فعسى أن يكون أنت إياه . فرفع يديه ودعا الله عز وجل ، والناس حضور متكاثرون ينظرون ماذا يكون من أمره ، ففتح الرجل عينيه وقام قائما على قدميه ، فضج الناس وعظموا الحلاج تعظيما زائدا ، وليس ذلك بحق ، فأقام عندهم مدة ثم خرج من بين أظهرهم ، وبقي ذلك الرجل عندهم عدة شهور ، ثم قال : إن من نعمة الله علي أن رد علي بصري وشفاني وينبغي أن أجاهد في سبيله بثغر طرسوس فعزم على ذلك فجمعوا له من بينهم مالا جزيلا ألوفا من الذهب والفضة ، ثم ودعهم وودعوه ، فذهب إلى الحلاج فاقتسما ذلك المال .

وروي عن بعضهم قال : كنت أسمع أن الحلاج له أحوال وكرامات فأحببت أن أختبره فجئته فسلمت عليه فقال لي : تشه علي الساعة شيئا ، فقلت : أشتهي سمكا طريا ، فدخل منزله فغاب ساعة ثم خرج ومعه سمكة تضطرب [ ص: 828 ] ورجلاه عليهما الطين ، فقال : دعوت الله فأمرني أن آتي بالبطائح لآتيك بهذه ، فخصت الأهواز وهذا الطين منها . فقلت : إن شئت أدخلتني منزلك لأكشف أمرك فإن ظهرت على شيء وإلا آمنت بك ، فقال : ادخل ، فدخلت فلم أجد في البيت منفذا إلى غيره فتحيرت في أمره ثم نظرت فإذا تأزير فكشفته فإذا من ورائه باب فدخلت فخرجت منه إلى بستان هائل فيه من سائر الثمار الجديدة والمعتقة قد أحسن إبقاؤها وإذا أشياء كثيرة معدة للأكل وإذا هناك بركة كبيرة فيها سمك كثير كبار فدخلتها فأخرجت منها واحدة ، فنال رجلي من الطين كما نال رجليه وجئت إلى الباب فقلت له : افتح قد آمنت بك ، فلما خرجت ورآني على مثل حاله جرى ورائي ليقتلني فضربته بالسمكة في وجهه ، وقلت : يا عدو الله أتعبتني في هذا اليوم . ولما خلصت منه لقيني بعد ذلك فضاحكني ، وقال : لا تفش هذا لأحد أبعث إليك من يقتلك على فراشك .

قال : فلم أحدث به أحدا حتى صلب . وقد قال يوما لرجل : آمن بي حتى أبعث لك بعصفورة تأخذ من ذرقها وزن حبة فتضعه على كذا وكذا رطلا من نحاس ، فيصير ذهبا ، فقال له الرجل : آمن بي أنت حتى أبعث إليك بفيل إذا استلقى على قفاه بلغت قوائمه السماء وإذا أردت أن تخفيه وضعته في إحدى عينيك . قال : فبهت وسكت .

[ ص: 829 ] ولما ورد بغداد جعل يدعو إلى نفسه ويظهر أشياء من المخاريق وغيرها من الأحوال الشيطانية وأكثر ما كان يروج على الرافضة لقلة عقولهم وضعف تمييزهم بين الحق والباطل فاستدعى يوما برئيس من الرافضة فدعاه إلى الإيمان به ، فقال له الرجل : إني رجل أحب النساء وإني أصلع الرأس وقد شبت فإن أنت أذهبت عني هذا وهذا آمنت أنك الإمام المعصوم ، وإن شئت قلت أنك نبي وإن شئت قلت أنك أنت الله .

قال : فبهت الحلاج ولم يحر إليه جوابا .

قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي : كان الحلاج متلونا كثير التلون ، تارة يلبس المسوح وتارة يلبس الدراعة وتارة يلبس القباء وهو مع كل قوم على مذهبهم ، إن كانوا أهل سنة أو رافضة أو معتزلة أو غير ذلك .

ولما أقام بالأهواز جعل ينفق من دراهم يخرجها يسميها دراهم القدرة ، فسئل الشيخ أبو علي الجبائي عن ذلك ، فقال : إن هذا كله مما ينال بالحيلة ولكن أدخلوه بيتا لا منفذ له ثم سلوه أن يخرج لكم جوزتين من شوك . فلما بلغ الحلاج كلام أبي علي الجبائي تحول من الأهواز .

قال الخطيب : أنبأنا إبراهيم بن مخلد أنبأنا إسماعيل بن علي الخطبي [ ص: 830 ] في " تاريخه " قال : وظهر أمر رجل يعرف بالحلاج يقال له : الحسين بن منصور ، وكان في حبس السلطان بسعاية وقعت به ، وذلك في وزارة علي بن عيسى الأولى وذكر عنه ضروب من الزندقة ووضع الحيل على تضليل الناس من جهات تشبه الشعوذة والسحر وادعاء النبوة فكشفه علي بن عيسى عند قبضه عليه وانتهى خبره إلى السلطان - يعني المقتدر بالله - فلم يقر بما رمي به من ذلك فعاقبه وصلبه حيا أياما متوالية في رحبة الجسر في كل يوم غدوة وينادى عليه بما ذكر عنه ثم ينزل به ثم يحبس فأقام في الحبس سنين كثيرة ينقل من حبس إلى حبس حتى حبس بأخرة في دار السلطان فاستغوى جماعة من غلمان السلطان وموه عليهم واستمالهم بضروب من حيله حتى صاروا يحمونه ويدفعون عنه ويرفهونه ، ثم راسل جماعة من الكتاب وغيرهم ببغداد وغيرها فاستجابوا له وتراقى به الأمر حتى ذكر أنه ادعى الربوبية وسعي بجماعة من أصحابه إلى السلطان فقبض عليهم ووجد عند بعضهم كتب تدل على تصديق ما ذكر عنه وأقر بعضهم بلسانه بذلك وانتشر خبره وتكلم الناس في قتله فأمر أمير المؤمنين بتسليمه إلى حامد بن العباس وأمر أن يكشفه بحضرة القضاة والعلماء ويجمع بينه وبين أصحابه فجرى في ذلك خطوب طوال ، ثم استيقن السلطان أمره ووقف على ما ذكر له عنه ، فأمر بقتله وإحراقه بالنار ، فأحضر مجلس الشرطة بالجانب الغربي يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة فضرب بالسياط نحوا من ألف سوط وقطعت يداه [ ص: 831 ] ورجلاه وضربت عنقه وأحرقت جثته بالنار ونصب رأسه للناس على سور الجسر الجديد وعلقت يداه ورجلاه إلى جانب رأسه .

وقال أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي : سمعت إبراهيم بن محمد الواعظ يقول : قال أبو القاسم الرازي : قال أبو بكر بن ممشاذ : حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة ، فما كان يفارقها بالليل ولا بالنهار ، ففتشوا المخلاة فوجدوا فيها كتابا للحلاج عنوانه : من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان . فبعث به إلى بغداد فسئل الحلاج عن ذلك فأقر أنه كتبه فقالوا له كنت تدعي النبوة فصرت تدعي الألوهية والربوبية ؟! فقال : لا ولكن هذا عين الجمع عندنا ، هل الكاتب إلا الله وأنا واليد آلة ؟ فقيل له : معك على ذلك أحد ؟ قال : نعم ، ابن عطاء وأبو محمد الجريري وأبو بكر الشبلي ، فسئل الجريري عن ذلك ، فقال : من يقول بهذا كافر . وسئل الشبلي عن ذلك فقال من يقول بهذا يمنع . وسئل ابن عطاء عن ذلك فقال بقول الحلاج في ذلك ، فعوقب حتى كان سبب هلاكه .

ثم روى أبو عبد الرحمن السلمي عن محمد بن عبد الله الرازي أن الوزير حامد بن العباس لما حضر الحلاج سأله عن اعتقاده فأقر به فكتبه فسأل عن ذلك فقهاء بغداد فأنكروا ذلك ، وقيل للوزير : إن أبا العباس بن عطاء يقول [ ص: 832 ] بهذا . فطلبه إلى منزله ، وجاء فجلس في صدر المجلس وسأله عن ذلك ، فقال : من لا يقول بهذا فهو بلا اعتقاد . فقال له الوزير : ويحك تصوب مثل هذا الاعتقاد ؟ فقال : ما لك ولهذا ، عليك بما نصبت له من أخذ أموال الناس وظلمهم وقتلهم ، فما لك ولكلام هؤلاء السادة ؟ فأمر الوزير بضرب شدقيه ونزع خفيه وأن يضرب بهما على رأسه ، فما زال يفعل ذلك به حتى سال الدم من منخريه وأمر بسجنه ، فقيل له : أيها الوزير إن العامة تتشوش بهذا . فحمل إلى منزله ، فقال ابن عطاء : اللهم اقتله أخبث قتلة واقطع يديه ورجليه . ثم مات ابن عطاء بعد سبعة أيام ، وقتل الوزير بعد ذلك شر قتلة ، وقطعت يداه ورجلاه وأحرقت داره . وقد اتفق علماء بغداد على كفر الحلاج وزندقته وأجمعوا على قتله وصلبه .

قال أبو بكر محمد بن داود الظاهري : حين أحضر الحلاج في المرة الأولى قبل وفاة أبي بكر هذا وسئل عنه ، فقال : إن كان ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم حقا وما جاء به حقا فما يقولهالحلاج باطل وكان شديدا عليه .

وقال أبو بكر الصولي قد رأيت الحلاج وخاطبته فرأيته جاهلا يتعاقل [ ص: 833 ] وغبيا يتبالغ وفاجرا يتعبد .

ولما صلب في أول مرة ونودي عليه أربعة أيام سمعه بعضهم وقد جيء به ليصلب وهو راكب على بقرة يقول : ما أنا بالحلاج ولكن ألقي علي شبهه وغاب . فلما أدني إلى الخشبة ليصلب عليها سمعته يقول : يا معين الضنا علي أعني على الضنا . وقال بعضهم : سمعته وهو مصلوب يقول : إلهي أصبحت في دار الرغائب أنظر إلى العجائب إلهي إنك تتودد إلى من يؤذيك فكيف بمن يؤذى فيك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث