الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 80 ]

وأن ترزقني العلم وتوفقني للعمل ، وتبلغني منهما نهاية السول وغاية الأمل ، وتفسح لي في المدة وتنسأ لي في الأجل ، في حسن دين وإصلاح شأن .

التالي السابق


قوله : " وأن ترزقني العلم ، وتوفقني للعمل ، وتبلغني منهما نهاية السول وغاية الأمل ، وتفسح لي في المدة ، وتنسأ لي في الأجل ، في حسن دين وإصلاح شأن " .

هذا عطف على قوله : أن تصلي ، فيما سبق ، أي : وأسألك أن تصلي على سيد أصفيائك ، وأسألك أن ترزقني التوفيق ، وهو التيسير لما يوافق ، وذلك بتحقيق الدواعي ، وإزالة العوائق ، ولا شك أن حصول العلم والتوفيق للعمل به هو الصراط المستقيم ، والمنهج القويم إلى السعادة الأبدية في جنات النعيم .

والعلم يجب أن يكون مقدما لأنه يحرس العمل عن الفساد والاختلال ، والعمل نتيجة العلم ومقصوده وثمرته ، وهو الاستقامة المفضية إلى الخلود في دار المقامة ، قال سبحانه وتعالى : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة إلى قوله تعالى : نزلا من غفور رحيم [ فصلت : 30 - 32 ] فحقيقة الاستقامة : فعل المأمورات ، وترك المنهيات ، وإنما تتحقق معرفة ذلك بالعلم ، فعلم بلا عمل عقيم ، وعمل بلا علم سقيم غير مستقيم ، وللخطيب البغدادي كتاب سماه : " اقتضاء العلم العمل " ذكر فيه كثيرا من الترغيب والترهيب المتعلق بالعلم والعمل ذكرت جملة صالحة منه في كتاب : " الآداب الشرعية " فإذا شئت انظر هناك . [ ص: 81 ]

ولما كان العلم والعمل مما لا يستغني العاقل عنهما ، لأن العلم زينة النفس وكمالها وحليتها في الدنيا والآخرة ، والعمل سبب سلامتها في معادها ، وحلولها بالمراتب الفاخرة ، سأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغه منهما نهاية سؤله ، وغاية أمله . ونهاية الشيء وغايته : عبارة عن آخره وموضع انقطاعه . ولما كان الإنسان مخلوقا متناهيا كان أمله كذلك ، والسؤل مهموزا : ما يسأله الإنسان ، وقرئ : قد أوتيت سؤلك ياموسى [ طه : 36 ] بالهمز . ولما صح وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أن رجلا سأله عن خير الناس فقال : من طال عمره ، وحسن عمله " . وعن شر الناس ، فقال : من طال عمره وساء عمله رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

وكان ذلك أيضا متقررا في العقول الصحيحة ضرورة ، أو بواسطة النظر ، لأن الإنسان إما أن يطول عمره أو يقصر ، وعلى هذين التقديرين إما أن يسوء عمله أو يحسن ، فهي أربعة أقسام ، خيرها من طال عمره وحسن عمله ، وشرها من طال عمره وساء عمله ، وبينهما واسطتان ، خيرهما من قصر عمره وحسن عمله ، وشرهما من قصر عمره وساء عمله ، سألت الله سبحانه وتعالى أن يجعلني من خير هذه الأقسام بطول العمر مع حسن الدين وصلاح الشأن . [ ص: 82 ]

ومعنى تفسح : توسع ، والفسحة بضم الفاء : السعة ، ومنه ( تفسحوا في المجلس ) [ المجادلة : 11 ] ، والمدة : الزمن الممتد ، والمراد ههنا زمن الحياة .

وتنسأ - بفتح السين - : تؤخر ، ومنه النسيئة : البيع بتأخير الثمن ، وقوله تعالى : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت ) [ البقرة : 106 ] أي : نؤخر نسخها فلا ننسخها ، والأجل : نهاية المدة ، ومنه أجل الدين ، أي آخر مدة تأخيره ، وأجل الحي كذلك ، قال الله تعالى : ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون [ الأعراف : 34 ] . والدين يشمل أصول الشريعة وفروعها ، علمها وعملها ، فهو متعلق الإيمان والإسلام ، فنسأل الله سبحانه وتعالى تأخير المدة في حسن اعتقاد وعمل .

والشأن : الأمر والحال ، والمراد إصلاح كل ما يعنيه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث