الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثاني في اجتماع عدتين

جزء التالي صفحة
السابق

فصل

طلق زوجته وهجرها ، أو غاب عنها ، انقضت عدتها بمضي الأقراء أو الأشهر . فلو لم يهجرها ، بل كان يطؤها ، فإن كان الطلاق بائنا ، لم يمنع ذلك انقضاء العدة ، لأنه وطء زنا لا حرمة له ، وإن كان رجعيا ، قال المتولي : لا تشرع في العدة ما دام يطؤها ، لأن العدة لبراءة الرحم وهي مشغولة .

وإن كان لا يطؤها ، ولكن يخالطها ويعاشرها معاشرة الأزواج ، فثلاثة أوجه . أحدها : لا تحسب تلك المدة من العدة ، لأنها شبيهة بالزوجات دون المطلقات المهجورات . والثاني : تحسب ، لأن هذه المخالطة لا توجب عدة ، فلا تمنعها ، حكاه الغزالي عن المحققين . والثالث وهو الأصح ، وبه أخذ الأئمة ، منهم القفال [ ص: 395 ] والقاضي حسين ، والبغوي في " التهذيب " و " الفتاوى " ، والروياني في الحلية : إن كان الطلاق بائنا ، حسبت مدة المعاشرة من العدة . وإن كان رجعيا ، فلا ، لأن مخالطة البائن محرمة بلا شبهة ، فأشبهت الزنا بها . وفي الرجعية الشبهة قائمة ، وهو بالمخالطة مستفرش لها ، فلا يحسب زمن الاستفراش من العدة ، كما لو نكحت في العدة زوجا جاهلا بالحال ، لا يحسب زمن استفراشه .

ثم يتعلق بالمسألة فرعان . أحدهما : قال البغوي في " الفتاوى " : الذي عندي ، أنه لا رجعة للزوج بعد انقضاء الأقراء ، وإن لم تنقض العدة عملا بالاحتياط في الجانبين . وفي فتاوى القفال ما يوافق هذا ، وأما لحوق الطلقة الثانية والثالثة ، فيستمر إلى انقضاء العدة عملا بالاحتياط أيضا ، وقد صرح به الروياني في الحلية . الثاني : قال في البسيط : يكفي في الحكم بالمعاشرة الخلوة ، ولا يكفي دخول دار هي فيها ، ولا يشترط تواصل الخلوة ، بل يكفي أن يخلو بها الليالي ، ويفارقها الأيام كما هو المعتاد بين الزوجين . فلو طالبت المفارقة ، ثم جرت خلوة ، ففي البناء على ما مضى احتمالان . أشبههما : البناء ، وأجرى الخلاف المذكور في الأصل فيما لو طلق زوجته الأمة فعاشرها السيد ، هل تمنع من الاحتساب بالعدة ؟ قال البغوي في " الفتاوى " : ولو طلق زوجته ثلاثا ونكحها في العدة على ظن أن عدتها انقضت وحلت ، فينبغي أن يقال : زمن استفراشها لا يحسب من العدة كالرجعية ، وأما إذا خالط المعتدة أجنبي عالما ، فلا يؤثر ، كما لا يؤثر وطؤه . وإن خالط بشبهة ، فيجوز أن يمنع من الاحتساب ، كما سبق أنها في زمن الوطء بالشبهة خارجة عن العدة .

وجميع ما ذكرناه ، فيما إذا كانت حائلا ، فأما المعتدة بالحمل ، فلا شك أن معاشرتها لا تمنع انقضاء العدة بالوضع .

فرع

سبق أنه إذا نكح معتدة على ظن الصحة ، ووطئها ، لم يحسب زمن استفراشه إياها عن عدة الطلاق . ومن أي وقت يحكم بانقضاء العدة ؟ فيه أربعة أوجه . [ ص: 396 ] أصحها : من وقت الوطء ، لأن النكاح الفاسد لا حرمة له . والثاني : من حين يخلو بها ويعاشرها ، وإن لم يطأ . والثالث : من وقت العقد إن اتصل به زفاف ، وإلا فلا . والرابع : من وقت العقد وإن لم يتصل به زفاف ، وبه قال القفال الشاشي ، لأنها بالعقد معرضة عن العدة .

فرع

من نكح معتدة من غيره جاهلا ووطئها ، لم تحرم عليه على التأبيد ، هذا هو المذهب ونصه في الجديد . وعن القديم : أنها تحرم أبدا ، ومنهم من أنكر القديم . وذكر الذين أثبتوه وجهين في أن التحريم المؤبد يشترط فيه تفريط الحاكم كاللعان ، أم لا ، كالإرضاع ؟ ونقل الروياني إجراء القديم في كل وطء يفسد النسب ، كوطء زوجة الغير ، أو أمته بالشبهة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث