الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        قال لنسوته الأربع : أربعكن طوالق إلا فلانة ، أو إلا واحدة ، قال القاضي حسين والمتولي : لا يصح هذا الاستثناء ، ويطلقن جميعا ، لأن الأربع ليست صيغة عموم ، وإنما هي اسم خاص لعدد معلوم خاص ، فقوله : إلا فلانة ، رفع للطلاق عنها بعد التنصيص عليها ، فهو كقوله : طالق طلاقا لا يقع . ومقتضى هذا التعليل ، أنه لا يصح الاستثناء من الأعداد في الأقراء ، ومعلوم أنه ليس كذلك . ومنهم من وجهه ، بأن الاستثناء في المعين غير معتاد ، وهذا يضعف بأن الإمام حكى عن القاضي ، أنه قال : أربعكن إلا فلانة طوالق ، صح الاستثناء ، وادعى أن هذا معهود دون ذلك ، وهذا كلام كما تراه . وقد حكينا في الإقرار أن الاستثناء صحيح من المعينات على الصحيح ، ويستوي في الوجهين الإقرار والطلاق .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        قيل له على وجه الاستخبار : أطلقت امرأتك ، أو فارقتها ، أو زوجتك طالق ؟ فقال : نعم ، فهذا إقرار بالطلاق ، فإن كان كاذبا فهي زوجته في الباطن . فلو قال : أردت الإقرار بطلاق سابق وقد راجعتها ، صدق . وإن قال : أبنتها وجددت النكاح ، فعلى ما ذكرناه فيما إذا قال : أنت طالق في الشهر الماضي ، وفسر بذلك .

                                                                                                                                                                        ولو قيل له ذلك على وجه التماس الإنشاء ، فإن قال في الجواب : نعم ، طلقت ، ولا إشكال ، وإن اقتصر على قوله : نعم ، فهل هو صريح أم كناية ؟ قولان . قال [ ص: 180 ] ابن الصباغ والروياني وغيرهما : أظهرهما : أنه صريح ، وقطع به بعضهم ، وهو اختيار المزني ، وفي كلام بعضهم إطلاق الخلاف بلا فرق بين الالتماس والاستخبار والإنشاء . والصحيح التفصيل الذي ذكرناه .

                                                                                                                                                                        ولو قيل له : طلقت زوجتك ، فقال : طلقت ، فقد قيل : هو كقوله : نعم . وقيل : ليس بصريح قطعا ، لأن ( نعم ) متعين للجواب ، وقوله : طلقت ، مستقل بنفسه ، فكأنه قال ابتداء : طلقت واقتصر عليه ، وقد سبق أنه لو اقتصر عليه فلا طلاق .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قيل له : ألك زوجة ؟ فقال : لا ، فقد نص في " الإملاء " أنه لا يقع به طلاق وإن نوى ، لأنه كذب محض ، وبهذا قطع كثير من الأصحاب ، ولم يجعلوه إنشاء ، ولا بأس لو فرق بين كون السائل مستخبرا أو ملتمسا الإنشاء ، كما قد سبق في الفصل قبله ، لأنا ذكرنا في كنايات الطلاق ، أنه لو قال مبتدئا : لست بزوجة لي ، كان كناية على الأصح ، وذكروا وجهين ، في أنه صريح في الإقرار ، أم كناية ؟ قال القاضي حسين : هو صريح ، والأصح أنه كناية ، لاحتمال أنه يريد نفي فائدة الزوجات ، وبهذا قطع البغوي ، ولها تحليفه أنه لم يرد طلاقها . ولو قال قائل : هذه زوجتك مشيرا إليها ؟ فقال : لا ، فهذا أظهر في كونه إقرارا بالطلاق .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قيل : أطلقت زوجتك ؟ فقال : قد كان بعض ذلك ، لم يكن إقرارا بالطلاق ، لاحتمال التعليق ، أو الوعد بالطلاق ، أو خصومة تئول إليه ، ولو فسر بشيء من ذلك ، قبل . وإن كان السؤال عن ثلاث ، ففسر بواحدة قبل ، وإن لم يفسر بشيء ، قال المتولي : إن كان السؤال عن ثلاث ، لزمه الطلاق ، وإن كان عن واحدة ، فلا ، لأنها لا تتبعض والأصل أن لا طلاق ، وفي كل واحد من الطرفين نظر .

                                                                                                                                                                        [ ص: 181 ] قلت : الصواب أنه لا يقع شيء ، إلا أن يعرف به ، سواء سئل عن ثلاث أو مطلقا ، للاحتمالات المذكورة مع الأصل . - والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        أكل الزوجان تمرا ، وخلطا النوى ، فقال : إن لم تميزي نوى ما أكلت عن نواي فأنت طالق ، أو اختلطت دراهمها بدراهمه ونحو ذلك ، فقال الأصحاب : تخلص من الحنث بأن يفرقها ، بحيث لا يلتقي منها نواتان ، فإن أراد التمييز الذي يحصل به التعيين ، لم يتخلص بذلك . وفي صورة الإطلاق ، احتمال للإمام ، ولو قال : إن لم تعدي الجوز الذي في هذا البيت اليوم فأنت طالق ، فقال الإمام : في طريق البر ، وجهان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : تأخذ من عدد تستيقنه ، وتزيد واحدا حتى تستيقن أنه لا يزيد عليه ، كما لو قال : إن لم تخبريني بعدده ، والثاني : يلزم أن تبتدئ من الواحد ، وتزيد حتى تنتهي إلى الاستيقان ، قال الإمام : واكتفوا على الوجهين بذكر اللسان ، ولم يعتبروا تولي العد فعلا ، قال : ولست أرى الأمر كذلك .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        في فمها تمرة ، فقال : إن ابتلعتها ، فأنت طالق ، وإن قذفتها ، فأنت طالق ، وإن أمسكتها ، فأنت طالق ، فتخلص من الحنث أن تأكل بعضها ، وتقذف بعضها ، هذا إذا وقع التعليق بالإمساك ، آخرا كما ذكرنا ، ثم اتصل أكل البعض بآخر التعليق ، فلو وجد مكث ، فقد حصل الإمساك ، ولو علق بالإمساك أولا ، وأكلت البعض بعد تمام الأيمان ، كان حانثا في يمين الإمساك ، ولو قال : إن أكلتها [ ص: 182 ] ، فأنت طالق ، وإن لم تأكليها

                                                                                                                                                                        [ فأنت طالق ] فلا خلاص بأكل البعض ، فإن فعلته ، حنث في يمين عدم الأكل ، ولو علق على الأكل ، فابتلعت ، لم يحنث على الأصح ، لأنه يقال : ابتلع ، ولم يأكل ، ذكره المتولي .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        كانت تصعد سلما ، فقال : إن نزلت ، فأنت طالق ، وإن صعدت ، فأنت طالق ، وإن مكثت ، فأنت طالق ، فيحصل الخلاص بالطفرة إن أمكنتها ، وبأن تحمل فيصعد بها أو تنزل ، وينبغي أن يكون الحمل بغير أمرها ، وتتخلص أيضا بأن تضجع السلم على الأرض وهي عليه ، وتقوم من موضعها ، وبأن يكون بجنبه سلم آخر فينتقل إليه ، فإن مضى في نصب سلم آخر زمان ، حنث في يمين الوقوف .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : إن أكلت هذه الرمانة ، أو إن أكلت رمانة ، فأنت طالق ، فأكلتها إلا حبة ، لم يحنث ، لأنه وإن كان يقال في العرف : أكل رمانة ، فيقال أيضا : لم يأكل كل الرمانة ، ولو علق بأكل رغيف ، فأكلته إلا فتاتا ، قال القاضي حسين : لا يحنث كحبة الرمان . وقال الإمام : إن بقي قطعة تحس ، ويجعل لها موقع ، لم يحنث ، وربما ضبط ذلك بأن يسمى قطعة خبز ، وإن دق مدركه ، لم يظهر له أثر في بر ولا حنث ، قال : وهذا مقطوع به عندي في حكم العرف ، والوجه : تنزيل إطلاق القاضي على هذا التفصيل .

                                                                                                                                                                        [ ص: 183 ] فرع

                                                                                                                                                                        قال : إن لم تخبريني بعدد حبات هذه الرمانة قبل كسرها ، فأنت طالق ، أو إن لم تخبريني بعدد ما في هذا البيت من الجوز اليوم ، أو إن لم تذكري لي ذلك ، فأنت طالق ، قال الأصحاب : يتخلص بأن تبتدئ من عدد تستيقن أن الحبات أو الجوز لا تنقص عنه ، وتذكر الأعداد بعد متوالية بأن تقول : مائة ، مائة وواحد ، مائة واثنان ، وهكذا

                                                                                                                                                                        [ إلى أن ] تنتهي إلى عدد تستيقن أنه لا يزيد عليه ، فتكون مخبرة عن ذلك العدد وذاكرة له ، وهذا إذا لم تقصد التعيين والتعريف ، وإلا فلا يحصل كما سبق .

                                                                                                                                                                        وفي معنى هذه الصورة ، ما إذا أكل تمرا ، وقال : إن لم تخبريني بعدد ما أكلت ، فأنت طالق .

                                                                                                                                                                        وما إذا اتهمها بسرقة ، وقال : إن لم تصدقيني أسرقت أم لا ، فأنت طالق ، فتقول : سرقت وما سرقت .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        وقع حجر من سطح ، فقال : إن لم تخبريني الساعة من رماه ، فأنت طالق ، ففي فتاوى القاضي حسين : أنها إن قالت : رماه مخلوق ، لم تطلق ، وإن قالت : رماه آدمي ، طلقت ؛ لجواز أن يكون رماه كلب أو الريح ، لأنه وجد سبب الحنث ، وشككنا في المانع ، وشبهه بما إذا قال : أنت طالق إلا أن يشاء زيد اليوم ، فمضى اليوم ولم يعرف مشيئته ، فإنه يقع الطلاق على خلاف فيه سبق .

                                                                                                                                                                        [ ص: 184 ] فرع

                                                                                                                                                                        قال لثلاث نسوة : من لم تخبرني منكن بعدد ركعات الصلاة المفروضة ، فهي طالق ، فقالت واحدة : سبع عشرة ، وقالت أخرى : خمس عشرة ، وثالثة : إحدى عشرة ، لم تطلق واحدة منهن ، فالأول معروف ، والثاني يوم الجمعة ، والثالث في السفر ، قاله القاضي والمتولي .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : كل كلمة كلمتيني بها إن لم أقل مثلها ، فأنت طالق ، فقالت المرأة : أنت طالق ثلاثا ، فطريقه أن يقول : أنت تقولين : أنت طالق ثلاثا ، أو تقول : أنت طالق ثلاثا من وثاق ، أو أنت طالق إن شاء الله ، ولو قالت له : إذا قلت لك : طلقني ما تقول ؟ فقال : أقول : طلقتك ، لا يقع الطلاق ، لأنه إخبار عما يفعل في المستقبل .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        في يدها كوز ماء ، فقال : إن قلبت هذا الماء ، فأنت طالق ، وإن تركتيه ، فأنت طالق ، وإن شربتيه أنت أو غيرك ، فأنت طالق ، فخلاصها بأن تضع فيه خرقة فتبلها به .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال لها وهي في ماء جار : إن خرجت منه فأنت طالق ، وإن مكثت فيه فأنت طالق . قال الأصحاب : لا تطلق خرجت أم مكثت ، لأن ذلك الماء فارقها [ ص: 185 ] بجريانه ، وفيه وفي نظائره احتمال للإمام بسبب العرف ، وإن كان الماء راكدا ، فالطريق أن يحملها إنسان في الحال .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        لا بد من النظر في مثل هذه التعليقات إلى وضع اللسان ، وإلى ما يسبق إلى الفهم في العرف الغالب ، فإن تطابق العرف والوضع ، فذاك ، وإن اختلفا ، فكلام الأصحاب يميل إلى اعتبار الوضع ، والإمام والغزالي يريان اتباع العرف ، وقد سبق في هذه الفروع أمثلة هذا .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية