الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        يجب على المعتدة ملازمة مسكن العدة ، فلا تخرج إلا لضرورة أو عذر ، فإن خرجت ، أثمت ، وللزوج منعها ، وكذا لوارثه عند موته ، وتعذر في الخروج في مواضع .

                                                                                                                                                                        منها : إذا خافت على نفسها أو مالها من هدم أو حريق ، أو غرق ، فلها الخروج ، سواء فيه عدة الوفاة والطلاق ، وكذا لو لم تكن الدار حصينة وخافت لصوصا ، أو كانت بين فسقة تخاف على نفسها ، أو تتأذى من الجيران أو الأحماء تأذيا شديدا ، أو تبذو أو تستطيل بلسانها عليهم ، يجوز إخراجها من المسكن ، ثم في " التهذيب " أنها إذا بذت على أحمائها ، سقطت سكناها ، وعليها أن تعتد في بيت أهلها ، والذي ذكره العراقيون والروياني والجمهور : أنه ينقلها الزوج إلى مسكن آخر ، ويتحرى القرب من مسكن العدة . ثم موضع النقل بالبذاء ما إذا كانت الأحماء معها في دار تسع جميعهم ، وإن كانت ضيقة لا تسع جميعهم ، نقل الزوج الأحماء وترك الدار لها ، وإن كان الأحماء في دار أخرى ، لم ينقل المعتدة بالبذاء عن دارها ، ونقل المتولي أنها تنقل لإيذاء الجيران كما تنقل [ ص: 416 ] لإيذاء الأحماء .

                                                                                                                                                                        فعلى هذا ، إذا كانت في دار والأحماء في القرى ، فإنها لا تنتقل بالبذاء إذا لم تكن الداران متجاورتين ، ولو كان البذاء من الأحماء دونها ، نقلوا دونها ، ولو كانت في دار أبويها لكون الزوج كان يسكن دارهما ، فبذت على الأبوين ، أو بذا الأبوان عليها ، لم ينقل واحد منهم ، لأن الشر والوحشة لا تطول بينهم ، فلو كان أحماؤها في دار أبويها أيضا ، وبذت عليهم ، نقلوا دونها ، لأنها أحق بدار أبويها .

                                                                                                                                                                        ومنها : إذا احتاجت إلى شراء طعام ، أو قطن ، أو بيع غزل ونحو ذلك ، نظر ، إن كانت رجعية ، فهي زوجته ، فعليه القيام بكفايتها ، فلا تخرج إلا بإذنه . قال المتولي : وكذا الحكم في الجارية المشتراة ، والمسيبة في مدة الاستبراء .

                                                                                                                                                                        وأما سائر المعتدات : فيجوز للمعتدة عن وفاة الخروج لهذه الحاجات نهارا ، وكذا لها أن تخرج بالليل إلى دار بعض الجيران للغزل والحديث ، لكن لا تبيت عندهم ، بل تعود إلى مسكنها للنوم . وحكم العدة عن شبهة أو نكاح فاسد حكم عدة الوفاة . قال المتولي : إلا أن تكون حاملا . وقلنا : إنها تستحق النفقة ، فلا يباح لها الخروج .

                                                                                                                                                                        وفي البائن بطلاق أو فسخ ، قولان . القديم : ليس لها الخروج ، والجديد : جوازه كالمتوفى عنها ، قال المتولي : هذا في الحائل ، أما الحامل : إذا قلنا : تعجل نفقتها ، فهي مكفية فلا تخرج إلا لضرورة .

                                                                                                                                                                        ومنها : لو لزمها عدة وهي في دار الحرب ، لزمها أن تهاجر إلى دار الإسلام . قال المتولي : إلا أن تكون في موضع لا تخاف على نفسها ، ولا على دينها ، فلا تخرج حتى تعتد .

                                                                                                                                                                        [ ص: 417 ] ومنها : إذا لزمها حق ، واحتيج إلى استيفائه ، فإن أمكن استيفاؤه في مسكنها ، كالدين والوديعة ، فعل ، وإن لم يمكن ، واحتيج فيه إلى الحاكم ، بأن توجه عليها حد أو يمين في دعوى ، فإن كانت برزة خرجت وحدت ، أو حلفت ، ثم تعود إلى المسكن ، وإن كانت مخدرة ، بعث الحاكم إليها نائبا ، أو أحضرها بنفسه .

                                                                                                                                                                        ومنها : إذا كان المسكن مستعارا ، أو مستأجرا ، فرجع المعير ، أو مضت المدة ، وطلبه المالك ، فلا بد من الخروج .

                                                                                                                                                                        ومنها : البدوية تفارق المنزل وترتحل مع القوم إذا ارتحلوا .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        لا تعذر في الخروج لأغراض تعد من الزيادات دون المهمات ، كالزيارة والعمارة واستنماء المال بالتجارة ، وتعجيل حجة الإسلام وأشباهها .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        زنت المعتدة عن وفاة في عدتها وهي بكر ، فعلى السلطان تغريبها ، ولا يؤخره إلى انقضاء عدتها ، وقيل : لا تغريب ، والصحيح الأول .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        على الزوج أن يسكن مستحقة السكنى من المعتدات مسكنا يصلح لمثلها ، فإن كان مسكن النكاح كذلك ، فلا معدل عنه . وحيث قلنا : تجب ملازمة مسكن النكاح ، فهذا مرادنا به ، فإن أسكنها في النكاح دارا فوق سكنى مثلها ، فطلقها وهي فيها ، فله أن لا يرضى الآن ، وينقلها إلى دار بصفة استحقاقها ، ولو رضيت بدار خسيسة ، فطلقها وهي فيها ، فلها أن تطلب النقل إلى ما يليق بها ، ويلزمه الإبدال . وفي الصورتين احتمال ذكره في " البسيط " ، والمعروف للأصحاب ما سبق ، [ ص: 418 ] وينبغي أن ينقلها إلى مسكن قريب من موضعها الأول ، ولا تنقل إلى الأبعد مع وجود الأقرب . وظاهر كلام الأصحاب أن رعاية هذا القريب واجبة ، واستبعد الغزالي الوجوب ، وتردد في الاستحباب .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية