الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 61 ] فصل في ذكر أول من أسلم من متقدمي الإسلام من الصحابة رضي الله عنهم

قال ابن إسحاق : ثم إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه جاء بعد ذلك بيوم ، وهما يصليان ، فقال علي : يا محمد ما هذا ؟ قال : " دين الله الذي اصطفى لنفسه ، وبعث به رسله ، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له ، وإلى عبادته ، وأن تكفر باللات والعزى " . فقال علي : هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم ، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب . فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره . فقال له : " يا علي إذا لم تسلم فاكتم " . فمكث علي تلك الليلة ، ثم إن الله أوقع في قلب علي الإسلام ، [ ص: 62 ] فأصبح غاديا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جاءه ، فقال : ماذا عرضت علي يا محمد ؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " تشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وتكفر باللات والعزى ، وتبرأ من الأنداد " . ففعل علي وأسلم ، ومكث يأتيه على خوف من أبي طالب وكتم علي إسلامه ، ولم يظهره . وأسلم ابن حارثة ، يعني زيدا فمكثا قريبا من شهر يختلف علي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وكان مما أنعم الله به على علي أنه كان في حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الإسلام

قال ابن إسحاق حدثني ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : وكان من نعمة الله على علي أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمه العباس وكان من أيسر بني هاشم : " يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة ، فانطلق حتى نخفف عنه من عياله " فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا فضمه إليه ، فلم يزل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بعثه الله نبيا ، فاتبعه علي وآمن به وصدقه .

وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني يحيى بن أبي الأشعث الكندي من أهل الكوفة ، حدثني إسماعيل بن أبي إياس بن عفيف عن أبيه ، عن جده عفيف وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس [ ص: 63 ] لأمه أنه قال : كنت امرأ تاجرا ، فقدمت منى أيام الحج ، وكان العباس بن عبد المطلب امرأ تاجرا ، فأتيته أبتاع منه وأبيعه ، قال : فبينا نحن إذ خرج رجل من خباء فقام يصلي تجاه الكعبة ، ثم خرجت امرأة فقامت تصلي ، وخرج غلام فقام يصلي معه ، فقلت : يا عباس ما هذا الدين ؟ إن هذا الدين ما ندري ما هو ؟ فقال : هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله ، وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه ، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به ، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به . قال عفيف : فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون ثانيا . وتابعه إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق وقال في الحديث : إذ خرج رجل من خباء قريب منه فنظر إلى السماء ، فلما رآها قد مالت قام يصلي . ثم ذكر قيام خديجة وراءه .

وقال ابن جرير : حدثني محمد بن عبيد المحاربي حدثنا سعيد بن خثيم عن أسد بن عبدة البجلي عن يحيى بن عفيف عن عفيف قال : جئت زمن الجاهلية إلى مكة فنزلت على العباس بن عبد المطلب فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء ، وأنا أنظر إلى الكعبة ، أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء ، ثم استقبل الكعبة ، فقام مستقبلها ، فلم يلبث حتى [ ص: 64 ] جاء غلام فقام عن يمينه ، فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما ، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة ، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة ، فخر الشاب ساجدا فسجدا معه . فقلت يا عباس أمر عظيم . فقال : أمر عظيم . فقال : أتدري من هذا ؟ فقلت : لا . فقال : هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، ابن أخي . أتدري من الغلام ؟ قلت : لا . قال : هذا علي بن أبي طالب . أتدري من هذه المرأة التي خلفهما ؟ قلت : لا . قال : هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي ، وهذا حدثني أن ربك رب السماء أمره بهذا الذي تراهم عليه ، وايم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة .

وقال ابن جرير : حدثني ابن حميد حدثنا عيسى بن سوادة بن الجعد حدثنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وأبو حازم والكلبي قالوا : علي أول من أسلم قال الكلبي : أسلم وهو ابن تسع سنين .

وحدثنا ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال : أول ذكر آمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلى معه وصدقه علي بن أبي طالب وهو ابن عشر سنين ، وكان في حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الإسلام .

[ ص: 65 ] قال الواقدي : أخبرنا إبراهيم بن نافع عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : أسلم علي وهو ابن عشر سنين . قال الواقدي : وأجمع أصحابنا على أن عليا أسلم بعد ما تنبأ رسول الله بسنة . وقال محمد بن كعب : أول من أسلم من هذه الأمة خديجة ، وأول رجلين أسلما أبو بكر وعلي وأسلم علي قبل أبي بكر وكان علي يكتم إيمانه خوفا من أبيه ، حتى لقيه أبوه ، قال : أسلمت ؟ قال : نعم . قال : وآزر ابن عمك وانصره . قال : وكان أبو بكر الصديق أول من أظهر الإسلام .

وروى ابن جرير في " تاريخه " من حديث شعبة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال : أول من صلى علي .

وحدثنا زكريا بن يحيى الضرير حدثنا عبد الحميد بن بحر حدثنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين ، وصلى علي يوم الثلاثاء .

[ ص: 66 ] وروى من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة رجل من الأنصار سمعت زيد بن أرقم يقول : أول من أسلم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب . قال : فذكرته للنخعي فأنكره ، وقال أبو بكر أول من أسلم .

ثم قال : حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا العلاء عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله سمعت عليا يقول : أنا عبد الله ، وأخو رسوله ، وأنا الصديق الأكبر ، لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر ، صليت قبل الناس بسبع سنين . وهكذا رواه ابن ماجه عن محمد بن إسماعيل الرازي عن عبيد الله بن موسى العبسي وهو شيعي من رجال الصحيح عن العلاء بن صالح الأسدي الكوفي وثقوه ، ولكن قال أبو حاتم : كان من عتق الشيعة . وقال علي بن المديني : روى أحاديث مناكير والمنهال بن عمرو ثقة ، وأما شيخه عباد بن عبد الله وهو الأسدي الكوفي فقد قال فيه علي [ ص: 67 ] بن المديني : هو ضعيف الحديث . وقال البخاري : فيه نظر . وذكره ابن حبان في " الثقات " . وهذا الحديث منكر بكل حال ولا يقوله علي رضي الله عنه ، وكيف يمكن أن يصلي قبل الناس بسبع سنين ؟ هذا لا يتصور أصلا والله أعلم . وقال آخرون : أول من أسلم من هذه الأمة أبو بكر الصديق . والجمع بين الأقوال كلها أن خديجة أول من أسلم من النساء ، وظاهر السياقات ، وقبل الرجال أيضا . وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب فإنه كان صغيرا دون البلوغ على المشهور ، وهؤلاء كانوا إذ ذاك أهل البيت ، وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق وإسلامه كان أنفع من إسلام من تقدم ذكرهم ; إذ كان صدرا معظما ، ورئيسا في قريش مكرما ، وصاحب مال ، وداعية إلى الإسلام ، وكان محببا متألفا يبذل المال في طاعة الله ورسوله ، كما سيأتي تفصيله .

قال يونس ، عن ابن إسحاق ثم إن أبا بكر الصديق لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أحق ما تقول قريش يا محمد من تركك آلهتنا ، وتسفيهك عقولنا ، وتكفيرك آباءنا ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بلى ، إني رسول الله [ ص: 68 ] ونبيه بعثني ; لأبلغ رسالته ، وأدعوك إلى الله بالحق ، فوالله إنه للحق ، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له ، ولا تعبد غيره ، والموالاة على طاعته . وقرأ عليه القرآن . فلم يقر ، ولم ينكر ، فأسلم وكفر بالأصنام ، وخلع الأنداد ، وأقر بحق الإسلام ، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق .

قال ابن إسحاق حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر ، إلا أبا بكر ما عكم عنه حين ذكرته ، ولا تردد فيه " . عكم ، أي تلبث . وهذا الذي ذكره ابن إسحاق في قوله : فلم يقر ولم ينكر ، منكر ; فإن ابن إسحاق وغيره ذكروا أنه كان صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة ، وكان يعلم من صدقه ، وأمانته ، وحسن سجيته ، وكرم أخلاقه ، ما يمنعه من الكذب على الخلق ، فكيف يكذب على الله ؟ ! ولهذا بمجرد ما ذكر له أن الله أرسله بادر إلى تصديقه ، ولم يتلعثم ، ولا عكم ، وقد ذكرنا كيفية إسلامه في كتابنا الذي أفردناه في سيرته ، وأوردنا فضائله وشمائله ، وأتبعنا ذلك بسيرة الفاروق أيضا ، وأوردنا ما رواه كل منهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث ، وما روى عنه من الآثار والأحكام والفتاوى ، فبلغ ذلك ثلاث مجلدات . ولله الحمد والمنة .

[ ص: 69 ] وقد ثبت في " صحيح البخاري " ، عن أبي الدرداء في حديث ما كان بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الخصومة ، وفيه : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله بعثني إليكم ، فقلتم : كذبت . وقال أبو بكر : صدق . وواساني بنفسه وماله ، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي ؟ مرتين ، فما أوذي بعدها . وهذا كالنص على أنه أول من أسلم رضي الله عنه .

وقد روى الترمذي وابن حبان من حديث شعبة عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : ألست أحق الناس بها ، ألست أول من أسلم ، ألست صاحب كذا ؟ .

وروى ابن عساكر من طريق بهلول بن عبيد حدثنا أبو إسحاق السبيعي عن الحارث سمعت عليا يقول : أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق وأول من صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الرجال علي بن أبي طالب . وقال شعبة : عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال : أول من صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر الصديق

وقد تقدم رواية ابن جرير لهذا الحديث من طريق شعبة عن عمرو بن [ ص: 70 ] مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال : أول من أسلم علي بن أبي طالب . قال عمرو بن مرة فذكرته لإبراهيم النخعي فأنكره . وقال : أول من أسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه .

وروى الواقدي بأسانيده ، عن أبي أروى الدوسي وأبي سلمة بن عبد الرحمن وجماعة من السلف : أول من أسلم أبو بكر الصديق

وقال يعقوب بن سفيان : حدثنا أبو بكر الحميدي حدثنا سفيان بن عيينة عن مالك بن مغول عن رجل ، قال سئل ابن عباس من أول من آمن ، فقال : أبو بكر الصديق أما سمعت قول حسان


إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا     خير البرية أوفاها وأعدلها
بعد النبي وأولاها بما حملا     والتالي الثاني المحمود مشهده
وأول الناس منهم صدق الرسلا     عاش حميدا لأمر الله متبعا
بأمر صاحبه الماضي وما انتقلا

وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شيخ لنا ، عن مجالد عن عامر قال : سألت ابن عباس أو سئل ابن عباس : أي الناس أول إسلاما ؟ قال : [ ص: 71 ] أما سمعت قول حسان بن ثابت فذكره . وهكذا رواه الهيثم بن عدي عن مجالد عن عامر الشعبي سألت ابن عباس فذكره .

وقال أبو القاسم البغوي : حدثني سريج بن يونس حدثنا يوسف بن الماجشون قال : أدركت مشيختنا منهم ; محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وصالح بن كيسان وعثمان بن محمد لا يشكون أن أول القوم إسلاما أبو بكر الصديق رضي الله عنه .

قلت : وهكذا قال إبراهيم النخعي ومحمد بن كعب ومحمد بن سيرين وسعد بن إبراهيم وهو المشهور عن جمهور أهل السنة .

وروى ابن عساكر عن سعد بن أبي وقاص ومحمد بن الحنفية أنهما قالا : لم يكن أولهم إسلاما ، ولكن كان أفضلهم إسلاما ، قال سعد : وقد آمن قبله خمسة .

وثبت في صحيح البخاري من حديث همام بن الحارث عن عمار بن ياسر قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما معه إلا خمسة أعبد ، وامرأتان وأبو بكر .

[ ص: 72 ] وروى الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عاصم بن أبي النجود عن زر عن ابن مسعود قال : أول من أظهر الإسلام سبعة ; رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمار وأمه سمية ، وصهيب وبلال والمقداد فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعه الله بعمه ، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه ، وأما سائرهم فأخذهم المشركون ، فألبسوهم أدرع الحديد ، وصهروهم في الشمس ، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا ، إلا بلالا ; فإنه هانت عليه نفسه في الله ، وهان على قومه ، فأخذوه فأعطوه الولدان ، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة ، وهو يقول : أحد أحد . وهكذا رواه الثوري . عن منصور . عن مجاهد مرسلا .

فأما ما رواه ابن جرير قائلا : أخبرنا ابن حميد حدثنا كنانة بن جبلة عن إبراهيم بن طهمان عن حجاج عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال : قلت لأبي : أكان أبو بكر أولكم إسلاما ؟ قال : لا ، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين ، ولكن كان أفضلنا إسلاما . فإنه حديث منكر إسنادا ومتنا .

قال ابن جرير : وقال آخرون : كان أول من أسلم زيد بن حارثة . ثم [ ص: 73 ] روى من طريق الواقدي عن ابن أبي ذئب سألت الزهري : من أول من أسلم من النساء ؟ قال : خديجة . قلت : فمن الرجال ؟ قال زيد بن حارثة . وكذا قال عروة وسليمان بن يسار وغير واحد : أول من أسلم من الرجال زيد بن حارثة . وقد أجاب أبو حنيفة رضي الله عنه ، بالجمع بين هذه الأقوال بأن أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر ومن النساء خديجة ، ومن الموالي زيد بن حارثة ومن الغلمان علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين .

قال محمد بن إسحاق : فلما أسلم أبو بكر وأظهر إسلامه ، دعا إلى الله عز وجل ، وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه ، محببا سهلا ، وكان أنسب قريش لقريش ، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر ، وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف ، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه ، لغير واحد من الأمر لعلمه ، وتجارته ، وحسن مجالسته ، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه ، فأسلم على يديه فيما بلغني الزبير بن العوام وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم ، فانطلقوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعهم أبو بكر فعرض عليهم الإسلام ، وقرأ عليهم القرآن ، وأنبأهم بحق الإسلام ، فآمنوا ، وكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا في الإسلام فصدقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 74 ] وآمنوا بما جاء من عند الله .

وقال محمد بن عمر الواقدي : حدثني الضحاك بن عثمان عن مخرمة بن سليمان الوالبي عن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال : قال طلحة بن عبيد الله : حضرت سوق بصرى ، فإذا راهب في صومعته ، يقول سلوا أهل الموسم : أفيهم رجل من أهل الحرم ؟ قال طلحة : قلت : نعم أنا . فقال : هل ظهر أحمد بعد ؟ قلت : ومن أحمد ؟ قال : ابن عبد الله بن عبد المطلب ، هذا شهره الذي يخرج فيه ، وهو آخر الأنبياء ، مخرجه من الحرم ، ومهاجره إلى نخل ، وحرة ، وسباخ ، فإياك أن تسبق إليه . قال طلحة : فوقع في قلبي ما قال . فخرجت سريعا حتى قدمت مكة . فقلت : هل كان من حدث ؟ قالوا : نعم ، محمد بن عبد الله الأمين تنبأ ، وقد اتبعه أبو بكر بن أبي قحافة . قال : فخرجت حتى دخلت على أبي بكر فقلت : أتبعت هذا الرجل ؟ قال : نعم . فانطلق إليه ، فادخل عليه ، فاتبعه ; فإنه يدعو إلى الحق ، فأخبره طلحة بما قال الراهب ، فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم طلحة وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قال الراهب ، فسر بذلك ، فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية وكان يدعى أسد قريش فشدهما في حبل واحد ، ولم يمنعهما بنو تيم ; فلذلك سمي أبو بكر وطلحة القرينين . [ ص: 75 ] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - اللهم اكفنا شر ابن العدوية رواه البيهقي .

وقال الحافظ أبو الحسن خيثمة بن سليمان الأطرابلسي : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز العمري قاضي المصيصة ، حدثنا أبو بكر عبد الله بن عبيد الله بن إسحاق بن محمد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله حدثني أبي عبيد الله ، حدثني عبد الله بن محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال حدثني أبي محمد بن عمران عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : خرج أبو بكر يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان له صديقا في الجاهلية ، فلقيه ، فقال : يا أبا القاسم ، فقدت من مجالس قومك ، واتهموك بالعيب لآبائها وأمهاتها . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إني رسول الله ، أدعوك إلى الله ، فلما فرغ من كلامه أسلم أبو بكر فانطلق عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما بين الأخشبين أحد أكثر سرورا منه بإسلام أبي بكر ومضى أبو بكر فراح لعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص فأسلموا ، ثم جاء الغد بعثمان بن مظعون وأبي عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وأبي [ ص: 76 ] سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم فأسلموا ، رضي الله عنهم قال عبد الله بن محمد : فحدثني أبي محمد بن عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة ، قالت : لما اجتمع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ، ألح أبو بكر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظهور ، فقال : " يا أبا بكر إنا قليل " . فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفرق المسلمون في نواحي المسجد ، كل رجل في عشيرته ، وقام أبو بكر في الناس خطيبا ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس ، فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين ، فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا ، ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا ، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرفهما لوجهه ، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه ، وجاء بنو تيم يتعادون ، فأجلت المشركين عن أبي بكر وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ، ولا يشكون في موته ، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد ، وقالوا : والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة . فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب ، فتكلم آخر النهار ، فقال : ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه ، ثم قاموا ، وقالوا لأمه أم الخير : انظري أن تطعميه شيئا ، أو تسقيه إياه . فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول : ما فعل [ ص: 77 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقالت : والله ما لي علم بصاحبك . فقال : اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه . فخرجت حتى جاءت أم جميل ، فقالت : إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله . فقالت : ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله ، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك ؟ قالت : نعم ، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا ، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح ، وقالت : والله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر ، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك . قال : فما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالت : هذه أمك تسمع . قال : فلا شيء عليك منها . قالت : سالم صالح . قال : أين هو ؟ قالت : في دار ابن الأرقم . قال : فإن لله علي أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس ، خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : فأكب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقبله ، وأكب عليه المسلمون ، ورق له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رقة شديدة . فقال أبو بكر : بأبي وأمي يا رسول الله ، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي ، وهذه أمي برة بولدها ، وأنت مبارك ، فادعها إلى الله ، وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار . قال : فدعا لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعاها إلى الله ، فأسلمت ، وأقاموا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدار شهرا ، وهم تسعة [ ص: 78 ] وثلاثون رجلا . وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب ولأبي جهل بن هشام فأصبح عمر وكانت الدعوة يوم الأربعاء ، فأسلم عمر يوم الخميس ، فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة ، وخرج أبو الأرقم وهو أعمى كافر وهو يقول : اللهم اغفر لبني غير الأرقم ; فإنه كفر . فقام عمر فقال : يا رسول الله على ما نخفي ديننا ونحن على الحق ، ويظهر دينهم وهم على الباطل . قال : يا عمر إنا قليل قد رأيت ما لقينا . فقال عمر : فوالذي بعثك بالحق ، لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان . ثم خرج فطاف بالبيت ، ثم مر بقريش وهي تنتظره ، فقال أبو جهل بن هشام : يزعم فلان أنك صبأت . فقال عمر : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله . فوثب المشركون إليه ، ووثب على عتبة فبرك عليه ، وجعل يضربه ، وأدخل أصبعه في عينيه ، فجعل عتبة يصيح ، فتنحى الناس ، فقام عمر فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ شريف من دنا منه ، حتى أعجز الناس ، واتبع المجالس التي كان يجالس فيها فيظهر الإيمان ، ثم انصرف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ظاهر عليهم ، قال : ما عليك بأبي وأمي ، والله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان غير هائب ولا خائف . فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخرج عمر أمامه وحمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلى الظهر معلنا ، ثم انصرف إلى دار الأرقم ومعه عمر ثم [ ص: 79 ] انصرف عمر وحده ، ثم انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - . والصحيح أن عمر إنما أسلم بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة ، وذلك في السنة السادسة من البعثة كما سيأتي في موضعه إن شاء الله ، وقد استقصينا كيفية إسلام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في كتاب سيرتهما على انفرادها ، وبسطنا القول هنالك . ولله الحمد .

وثبت في " صحيح مسلم " من حديث أبي أمامة عن عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه ، قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أول ما بعث وهو بمكة ، وهو حينئذ مستخفيا ، فقلت : ما أنت ؟ قال : " أنا نبي " . فقلت : وما النبي ؟ قال : " رسول الله " . قلت : آلله أرسلك ؟ قال : " نعم " . قلت : بم أرسلك ؟ قال : " بأن تعبد الله وحده لا شريك له ، وتكسر الأصنام ، وتصل الأرحام " . قال : قلت : نعم ما أرسلك به ، فمن معك على هذا ؟ قال : " حر وعبد " . يعني أبا بكر وبلالا قال : فكان عمرو يقول : لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام . قال : فأسلمت . قلت : فأتبعك يا رسول الله . قال : " لا ، ولكن الحق بقومك ، فإذا أخبرت أني قد خرجت فاتبعني " . ويقال : إن معنى قوله عليه السلام : " حر وعبد " . اسم جنس ، وتفسير ذلك بأبي بكر وبلال فقط فيه نظر ; فإنه قد كان جماعة قد أسلموا قبل عمرو بن عبسة وقد كان زيد بن حارثة أسلم قبل بلال أيضا ، فلعله أخبر أنه ربع الإسلام بحسب علمه ; فإن [ ص: 80 ] المسلمين كانوا إذ ذاك يستسرون بإسلامهم لا يطلع على أمرهم كثير أحد من قراباتهم ، دع الأجانب ، دع أهل البادية من الأعراب . والله أعلم .

وفي " صحيح البخاري " من طريق أبي أسامة عن هاشم بن هاشم عن سعيد بن المسيب قال : سمعت سعد بن أبي وقاص يقول : ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه ، ولقد مكثت سبعة أيام ، وإني لثلث الإسلام . أما قوله : ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه ، فسهل ، ويروى : إلا في اليوم الذي أسلمت فيه ، وهو مشكل ; إذ يقتضي أنه لم يسبقه أحد بالإسلام . وقد علم أن الصديق وعليا وخديجة ، وزيد بن حارثة أسلموا قبله ، كما قد حكى الإجماع على تقدم إسلام هؤلاء غير واحد منهم ; ابن الأثير ونص أبو حنيفة رحمه الله على أن كلا من هؤلاء أسلم قبل أبناء جنسه . والله أعلم . وأما قوله : ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام . فمشكل ; وما أدري على ماذا يوضع عليه إلا أن يكون أخبر بحسب ما علمه . والله أعلم .

وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله ، وهو ابن مسعود قال : كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن [ ص: 81 ] أبي معيط بمكة ، فأتى علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وقد فرا من المشركين ، فقال أو فقالا : عندك يا غلام لبن تسقينا ؟ قلت : إني مؤتمن ، ولست بساقيكما . فقال : هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد ؟ قلت : نعم . فأتيتهما بها ، فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الضرع ، ودعا فحفل الضرع ، وأتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها ، ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني ، ثم قال للضرع : " اقلص " . فقلص ، فلما كان بعد أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : علمني من هذا القول الطيب يعني القرآن فقال : " إنك غلام معلم " . فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد . وهكذا رواه الإمام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة به . ورواه الحسن بن عرفة عن أبي بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود به .

وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله بن بطة الأصبهاني حدثنا الحسن بن الجهم حدثنا الحسين بن الفرج حدثنا محمد بن عمر حدثني جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير عن أبيه أو عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال : كان إسلام خالد بن سعيد بن العاص قديما ، وكان أول إخوته أسلم ، وكان بدء إسلامه أنه رأى في المنام أنه وقف به على شفير النار ، فذكر من سعتها ما الله أعلم به ، ويرى في النوم [ ص: 82 ] كأن آتيا أتاه يدفعه فيها ، ويرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخذا بحقويه لا يقع ، ففزع من نومه . فقال : أحلف بالله ، إن هذه لرؤيا حق . فلقي أبا بكر بن أبي قحافة فذكر ذلك له ، فقال : أريد بك خيرا ، هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاتبعه ; فإنك ستتبعه ، وتدخل معه في الإسلام ، والإسلام يحجزك أن تدخل فيها ، وأبوك واقع فيها . فلقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بأجياد ، فقال : يا محمد ، إلام تدعو ؟ قال : " أدعو إلى الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يضر ، ولا ينفع ، ولا يدري من عبده ممن لا يعبده " . قال خالد : فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله . فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلامه ، وتغيب خالد وعلم أبوه بإسلامه ، فأرسل في طلبه ، فأتي به ، فأنبه ، وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه ، وقال : والله لأمنعنك القوت . فقال خالد : وإن منعتني ، فإن الله يرزقني ما أعيش به . وانصرف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان يكرمه ويكون معه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث