الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط



وخمسة منهم أولو العزم الأولى في سورة الأحزاب والشورى تلا



( وخمسة منهم ) أي من الرسل ( أولو ) أي أصحاب ( العزم ) يعني الجزم والجد والصبر وكمال العقل ، ولم يرسل الله تعالى من رسول إلا وهذه الصفات فيه مجتمعة ، غير أن هؤلاء الخمسة أصحاب الشرائع المشهورة كانت هذه الصفات فيهم أكمل وأعظم من غيرهم ؛ لذا خصوا بالذكر ( في سورة الأحزاب ) يعني قوله تعالى : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ) ( الأحزاب : 7 ) فذكر تعالى أخذه الميثاق على جميع النبيين جملة ونص منهم على هؤلاء الخمسة محمد صلى الله عليه وسلم وهو خاتمهم ونوح وهو فاتحهم وإبراهيم وموسى وعيسى وهم بينهما ( و ) كذا ذكرهم على وجه التخصيص في سورة ( الشورى ) إذ يقول تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) ( الشورى : 13 ) .

وهؤلاء الخمسة هم الذين يتراجعون الشفاعة بعد أبيهم آدم عليه السلام حتى تنتهي إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول : " أنا لها " كما سيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله . ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ) الأحزاب : 7 ) الآية . قال النبي صلى الله عليه وسلم : " كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث ، فبدأ بي قبلهم " . وفيه ضعف ويروى مرسلا وموقوفا على قتادة ، وللبزار عنه رضي الله عنه موقوفا عليه قال : " خيار ولد آدم خمسة : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد " صلى الله عليه وسلم [ ص: 680 ] وعليهم أجمعين ، وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم ، والقول بأن أولي العزم هم هؤلاء الخمسة هو قول ابن عباس وقتادة ومن وافقهما وهو الأشهر ، وقال الكلبي : هم الذين أمروا بالجهاد وأظهروا المكاشفة مع أعداء الدين ، وقيل هم ستة : نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم السلام ، وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف وهود والشعراء . وقال مقاتل : هم ستة : نوح صبر على أذى قومه وإبراهيم صبر على النار وإسماعيل صبر على الذبح ويعقوب صبر على فقد ولده وذهاب بصره ويوسف صبر على البئر والسجن وأيوب صبر على الضر .

قلت : وقوله إسحاق صبر على الذبح هو قول مرجوح أو مردود وإنما كان الذبيح إسماعيل عليه السلام كما في سورة الصافات وهود .

وقال ابن زيد : كل الرسل كانوا أولي عزم لم يبعث الله نبيا إلا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال عقل ، وإنما أدخلت من للتجنيس لا للتبعيض كما يقال : اشتريت أكسية من الخز وأردية من البز ، وقال قوم هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر لقوله تعالى بعد ذكرهم : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ( الأنعام : 90 ) .

وروى ابن أبي حاتم بسنده عن مسروق قال : قالت عائشة رضي الله عنها : ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما ثم طواه ثم ظل صائما ثم طواه ثم ظل صائما ثم قال : " يا عائشة ، إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد ، يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر على محبوبها ، ثم لم يرض مني أن يكلفني ما كلفهم فقال : ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) ( الأحقاف : 35 ) وإني والله لأصبرن كما صبروا جهدي ، ولا قوة إلا بالله " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث