الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قاعدة : كل محرم إما لأجل وصفه كالخمر ، أو سببه كالبر المغصوب ، وكل ما حرم بوصفه فلا يحل إلا بسببه كالميتة مع الضرورة ، وكل ما حل بوصفه فلا يحرم إلا بسببه ، وقد يقع التعارض في الوصف كالضبع من جهة أن لها نابا ، وأنها كانت تباع في الحرم من غير نكير ، وقد يقع في السبب كالعقد المختلف فيه ، وتعارض الأدلة فيكون ذلك موجبا للورع ، ثم الشبهة على قسمين : قسم يجوز الإقدام معه كشبهة الورع ، وشبهة يحرم الإقدام معها كشبهة درء الحد كالأمة المشتركة .

تنبيه : أجمعت الأمة على أن المفسدة المرجوحة مغتفرة مع المصلحة الراجحة ، فكيف وقع الخلاف إذا خالط يسير حرام كثيرا حلالا ؟ والجواب أن الجمع هاهنا متيسر بالإبراء من ذلك اليسير ، أو الانتظار للقسمة ، أو الإقرار عند الحاكم ، وموضع الإجماع حيث يتعذر الجمع .

[ ص: 323 ] مسألة

في " الجواهر " : قال أبو عبد الله : عماد الدين وقوامه هو المطعم وطيبه ، فمن طيب مطعمه زكى عمله ، وإلا خيف عليه عدم القبول لقوله تعالى : ( إنما يتقبل الله من المتقين ) ، وسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : " من المؤمن ؟ قال : الذي إذا أمسى سأل : من أين قرصه ؟ قالت : يا رسول الله ، من المؤمن ؟ قال الذي إذا أصبح سأل : من أين قرصه ؟ قالت : يا رسول الله ، لو علم الناس لتكلفوه ، قال : قد علموا ذلك ، ولكنهم غشموا المعيشة غشما " أي تعسفوا تعسفا ، ونظر عليه السلام إلى المصلين ، فقال : " لا يغرني كثرة رفع أحدكم رأسه وخفضه ، الدين الورع في دين الله ، والكف عن محارم الله ، والعمل بحلال الله وحرامه " ، وقال الحسن : الذكر ذكران : ذكر اللسان ، فذلك حسن ، وأفضل منه ذكر الله عند أمره ، ونهيه .

تنبيه : الدين أن يتكيف القلب بخوف الله ، وإجلاله حتى يكون بحيث يشق عليه مشقة عظيمة أن يجده الله تعالى حيث نهاه ، أو يفقده حيث اقتضاه ، فهذا هو الرجل الدين ، ليس بكثرة الأعمال الظاهرة ، ولكن هذه الحالة قد يجعلها الله ثمرة الأعمال الظاهرة .

تنبيه : إذا وقعت العبادة بشروطها ، وأركانها فقد أجزأت إجماعا ، وبرئت الذمة ، فما معنى القبول الذي يشك فيه بعد ذلك ؟ قال العلماء : القبول الذي يختص بالمتقين هو ترتيب الثواب ، ورفع الدرجات بها ، وفيض الإحسان ، وهو غير الإجزاء ; لأن الإجزاء معناه أنه صار غير مكلف بتلك العبادة ، وهذا عدم المؤاخذة ، ولا يلزم من عدم المؤاخذة حصول الدرجات والمثوبة .

فرع

في " الجواهر " : ليس من الورع شراء ما اشتري شراء فاسدا فإن فواته بالبيع [ ص: 324 ] إنما هو يمنع بعضه ، والشبهة قائمة فيه للخلاف في تقرر الملك بين العلماء ، وكذلك يكره شراء طعام ممن أكرى الطعام بالطعام ، وإن كان الطعام له لفساد العقد ، ويتحرى أبدا الأشبه ، وإذا أخبر البائع أن طعامه حلال ، وهو ثقة يعلم حدود الشرع صدق ، وإلا لم يتحقق الورع ، لكنه خير ممن يقول : لا أدري ، وما غلب عليه الريبة في الأسواق اجتنب حتى يظهر صحة أصله ، وإذا لم يوجد ما يتحرى به إلا سؤال الباعة اعتمد على أصدقهم ، ومنع سحنون رجلا كسبه من بلاد السودان أن يعمل قنطرة يعبر الناس عليها ، وليس في كسب بلاد السودان إلا السفر إليها ، فيجتهد الإنسان بحسب الإمكان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث