الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                مسألة : في تحري الصدق والكذب

                                                                                                                قال صاحب " البيان " : قال عمر رضي الله عنه : عليك بالصدق وإن ظننت أنه مهلكك ، قال ذلك فيما يلزمك أن تصدع به من الحق لما ترجوه من الصدق والفلاح ، وتخشاه من الفساد ، فالكذب عند السلطان [ ونحوه ، فتقول الحق ، وإن ظننت الهلاك ، فإن تيقنته فتسكت ، ولا يحل لك الكذب إلا أن تضطر إلى ذلك بالخوف على نفسك ، وإنما يلزمك الصدق ، وإن خفت على نفسك فيما عليك من الحقوق من القتل ، والسرقة ، والزنا ونحوه ] .

                                                                                                                والكذب أربعة أقسام : كذب لا يتعلق به حق لمخلوق ، نحو : طار الغراب ، فيحرم إجماعا ، وكذب يتعلق به حق لمخلوق ، نحو : فعل زيد كذا ، ولم يفعله ، وهو أشد من الأول ; لأن الأول تخلص منه التوبة بخلاف الثاني بل يحلله صاحبه أو يأخذه منه ، وكذب لا يضر أحدا يقصد به خيرا ، نحوه في الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وكذب الرجل لامرأته فيما يعدها به ، ويستصلحها به ، فقد جوزته السنة ، وقيل : لا يباح إلا المعاريض ، وقيل : معاريض القول جائزة في كل موطن ، قال : وأراه مكروها لما فيه من الإلغاز ، فيظن أنه قد كذب ، فيعرض عرضه للفساد ، وكذب في دفع مظلمة لظالم يريد أحدا بالقتل أو الضرب ، فينكر موضعه ، وهو يعلمه ، فيجب لما فيه من الدفع عن المعصوم ، وفي [ ص: 340 ] " الموطأ " : قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " أأكذب لامرأتي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا خير في الكذب ، فقال الرجل : أعدها وأقول لها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا جناح عليك " ، قال الباجي : قوله عليه السلام : " لا خير في الكذب " يريد كذبا ينافي الشرع ، أما الإصلاح فلا ، وقوله : " أعدها " يحتمل أعدها وأنا أريد الوفاء ، [ قال ابن قتيبة : الكذب إنما هو في الماضي ، والخلف في المستقبل ; لأن المستقبل قابل للوقوع على وفق الوعد ، والماضي تعين كذبه ، قال صاحب " القبس " : إخلاف الوعد كذب ، وإنما أنكر عليه السلام على الرجل صورة اللفظ ; لأن الكذب أصله التحريم فلما جاء بلفظ حسن أذن له ] .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية