الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                [ ص: 110 ] الباب السادس

                                                                                                                في

                                                                                                                حساب الوصايا

                                                                                                                وفيه فصلان :

                                                                                                                الفصل الأول

                                                                                                                في

                                                                                                                الوصية بجزء مسمى واحدا أو أكثر

                                                                                                                كنصف أو ثلث ، مفتوحا أو أصم ، نحو بجزء من أحد عشر ، وله ورثة ، فللعمل طريقان :

                                                                                                                الطريق الأول ، في الجواهر : تصحح فريضة الميراث ، ثم تجعل جزء الوصية من حيث تنقسم على أصحاب الوصايا فريضة برأسها وتخرج للوصية وتنظر للباقي من فريضة الوصية ، فإن كانت تلك البقية تنقسم على فريضة الورثة فبها ونعمت ، وإن لم تنقسم نظرنا بينهما واعتبرنا إحداهما بالأخرى ، فإن تباينا ضربنا فريضة الميراث في فريضة الوصية ، فما انتهى له الضرب منه تصح الوصية والفريضة ، وإن توافقا بجزء ضربنا ذلك الجزء من فريضة الميراث في فريضة الوصية ومنه تصح .

                                                                                                                الطريق الثاني : تأخذ مخرج جزء الوصية ، ثم تزيد على سهام الفريضة سهاما قبل مخرج الوصية أبدا ، فإذا كانت الوصية بالثلث زدت نصفها ، أو بالربع زدت ثلثها أو بالخمس زدت ربعها ثم كذلك إلى العشر وما زاد عليه ، يطرد ذلك في المفتوح والأصم ، فإن كانت الوصية بجزء من أحد عشر زدت العشر أو [ ص: 111 ] بجزء من اثني عشر زدت جزءا من أحد عشر ، ثم كذلك ، وإن كانت بالنصف زدت مثلها لأن الذي قبل مخرج الوصية واحد فالقسمة على كل واحد ، ولأن النصف هو أكثر الأجزاء وأولها ، وما قبله هو الواحد ، فجعلنا سهام الفريضة كالواحد وزدنا عليها مثلها .

                                                                                                                وعبر بعضهم عن هذه الطريقة أنا إذا صححنا الفريضة والوصية وأخرجنا جزء الوصية منها ووجدنا البقية غير منقسمة على الفريضة نظرنا نسبة الجزء الذي أخرجناه من الفريضة إلى بقيتها ، فما كان رددنا على الفريضة ما نسبت إليها تلك النسبة .

                                                                                                                مثال الطريقين : أربعة بنين وأوصى بالثلث ، فعلى الطريق الأولى الفريضة من أربعة والوصية من ثلاث ، يخرج سهم الوصية وهو سهم ، يبقى اثنان لا ينقسمان على الأربعة ويوافقانها بالنصف ، فتضرب اثنين وفق فريضة الورثة في ثلاثة فريضة الوصية تبلغ ستة يخرج منها جزء الوصية يبقى أربعة ينقسم على الأربعة ، وعلى الطريق الثاني على العبارة الأولى تحمل على فريضة الورثة جزءا ما قبل مخرج الوصية وهو هاهنا النصف فتصير ستة ، يخرج جزء الوصية اثنين تبقى أربعة على أربعة ، وعلى العبارة الثانية إذا اعتبرنا الجزء الذي أخرجناه من فريضة الوصية بالنسبة إلى بقيتها وجدناه نصف الباقي فزدنا على الفريضة نصفها كما تقدم .

                                                                                                                واعلم أنه قد يقع في الفريضة كسر بسبب حمل الجزء على الفريضة ، فتضرب المسألة والكسر في مخرج ذلك الكسر ومنها تصح ، مثال ذلك أوصى بالسدس والمسألة بحالها فإذا أخرجنا جزء الوصية وهو واحد من مخرجها وهو ستة تبقى خمسة ، فلا تنقسم على الفريضة ولا توافق ، فعلى الطريق الأول نضرب أربعة في الستة تبلغ أربعة وعشرين ، وكذا في الطريق الثاني أيضا يخرج من الأربعة والعشرين ولكن بعد وجود الكسر فيها وضربها وضربه في مخرجه ، فنقول على العبارة الأولى إذا أوصى بالسدس حملنا على الفريضة مثل خمسها ، وخمس الأربعة أربعة [ ص: 112 ] أخماس ، فتنكسر السهام ، فتضرب الأربعة والأربعة الأخماس في خمسة تبلغ أربعة وعشرين ، وكذلك إذا نسبنا جزء الوصية إلى ما بقي من مخرجها وجدناه خمس البقية فحملنا على الفريضة خمسها ، انكسرت السهام فتضربها في الخمسة كما تقدم ، فإن أوصى بجزأين ضربت مخرج أحدهما في مخرج الآخر أو في وفقه إن كان وما اجتمع فهو مخرج الفريضتين جميعا ، فإذا أخرجت جزء الوصية منه ، ثم قسمت الباقي على الفريضة فإن انقسم وإلا ضربت ما انتهى إليه الضرب في عدد سهام المسألة أو في وفق إن كان ومنه يصح حساب الوصيتين .

                                                                                                                مثال ذلك : ثلاثة بنين وأوصى بالسدس ولآخر بالسبع ، فمخرج السدس من ستة ، والسبع من سبعة ، وهما متباينان ، تضرب أحدهما في الآخر تبلغ اثنين وأربعين ، يخرج جزء الوصية ثلاثة عشر تبقى تسعة وعشرون لا تنقسم على سهام الفريضة ولا توافقها ، تضرب الثلاثة سهام الفريضة في اثنين وأربعين تبلغ مائة وستة وعشرين ، جزء الوصية من ذلك تسعة وثلاثون ، يبقى سبعة وثمانون لكل سهم تسعة وعشرون .

                                                                                                                وإن كانت الوصية أكثر من الثلث فإن أجاز الورثة فالعمل كما تقدم ، وإلا فإن كانت الوصية لواحد أو لمساكين فخذ مخرج الثلث ، ثم اعمل على نحو ما تقدم ، وإن كانت الوصية لجماعة فخذ مخرجا تقوم منه وصاياهم وخذ من ذلك المخرج جميع وصاياهم ، فما اجتمع اجعله ثلث مال يكون منقسما على الوصايا والحصص ، ثم اقسم الثلاثين على الورثة فإن لم ينقسم فانظر هل يوافق فريضتهم من حيث ينقسم بجزء أم لا ، ثم اعمل على نحو ما تقدم .

                                                                                                                مثاله تركت أما وزوجا وأختا لأب وأوصت بالثلث ولآخر بالخمس ، ولم يجز الورثة ، فهي من ستة وتعول بالثلث بثمانية ، ومخرج الثلث والخمس خمسة عشر ، لصاحب الخمس ثلاثة فاجعل الثمانية ثلث مال ينقسم بين الوصايا والحصص ، فالثلثان ستة عشر للأم من الفريضة سهمان في اثنين ثمن ما بقي لهم بأربعة لأن فريضتهم وما بقي لهم يتفقان بالثلث ، وللزوج ثلاثة في اثنين ستة [ ص: 113 ] وللأخت مثل ذلك ، هذا إن اتفقوا على الإجازة أو الرد ، فإن اختلفوا فللاختلاف صور .

                                                                                                                الصورة الأولى إذا أجاز بعضهم جميع الوصايا ولم يجز باقيهم شيئا فتقسم المسألة على إجازة الكل وعلى رد الكل وتوفق بينها وتعمل على ما تقدم من الاستغناء بأكثرهما أو ضرب أحدهما في الآخر أو وفقهما ، ثم أعط كل مجيز نصيبه من مسألة الرد والباقي للموصى له على قدر الوصيتين .

                                                                                                                مثاله ترك ابنين وأوصى بالنصف ولآخر بالثلث ، أجاز أحد الابنين الوصيتين ومنعهما الآخر ، فمسألة الإجازة من اثني عشر للموصى له بالنصف ستة وللموصى له بالثلث أربعة ، ولكل ابن سهم ، ومسألة الرد من خمسة عشر الثلث خمسة للموصىي لهما على خمسة أجزاء لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث سهمان ، والثلثان للاثنين لكل ابن خمسة ، والاثنا عشر توافق الخمسة عشر بالثلث تضرب ثلث أحدهما في كامل الآخر تبلغ ستين ، من له شيء من اثني عشر أخذه مضروبا في وفق الاثني عشر وهو أربعة : فللابن المجيز سهم من اثني عشر في خمسة وذلك خمسة ، وللذي لم يجز خمسة من خمسة عشر في أربعة عشرون ، وتبقى خمس وثلاثون للموصى لهما على خمسة ، لصاحب النصف أحد وعشرون ، وللثلث أربعة عشر .

                                                                                                                الصورة الثانية : أجاز جميعهم لبعض الوصايا دون بعض ، فلمن أجازوا له نصيبه بكماله ، ولمن لم يجيزوا له نصيبه من الحصاص في الثلث لو أنهم لم يجيزوا ، ويعرف تحديد ذلك بأخذ مخرج الوصايا من حيث تقوم لو أنهم لم يجيزوا ، ومخرج وصية من أجازوا له من حيث تقوم ، فإن دخل أحد المخرجين في الآخر اكتفي بالأكثر ، فإن وافق فاضرب جزء أحدهما في كامل الآخر وأعط لمن أجازوا له ما أوصى له به ، ولمن لم يجيزوا له ما ينوبه من الحصاص في الثلث ، ثم اقسم ما بقي على الورثة ، فإن لم ينقسم ووافق فريضتهم بجزء ضربت جزء الفريضة في المخرج ، وإن لم يتفقا فكامل الفريضة في كامل المخرج ، ثم اقسم على ما تقدم .

                                                                                                                [ ص: 114 ] مثاله : تركت زوجا وأختين شقيقتين وأوصت بالنصف وبالسدس لآخر ، أجاز جميع الورثة السدس خاصة ، فهي من ستة تعول بالسدس لتسعة ، ومخرج الوصية ستة ، لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب السدس واحد فذلك أربعة اجعلها ثلثا ، لصاحب النصف من ذلك ثلاثة أرباع الثلث ثلاثة ، فيكون مخرج من لم يجيزوا له اثني عشر ومخرج من أجازوا له ستة وهي داخلة في الاثني عشر فخذ الاثني عشر فأعط الذي أجازوا له السدس سهمين ، وأعط صاحب النصف ثلاثة أرباع الثلث ، ثلاثة الذي ينوبه في الحصاص ، والباقي سبعة منقسمة على الورثة .

                                                                                                                الصورة الثالثة : يجيز بعضهم لقوم وبعضهم لآخرين ، فيلزم كل وارث ممن أجازه ما أوصي له به ويلزمه ممن لم يجز له ما ينوبه في الحصاص في الثلث ، فخذ مخرج الوصايا من حيث تقوم لو أنهم لم يجيزوا ، وخذ مخرج كل واحد ممن أجازوا له على الانفراد كأنه ليس ثم وارث غيره ولا وصية إلا وصيته التي تلزمه ، ثم انظر سهام كل وارث من الفريضة ، فإن كان فيها ما يلزمه من الوصايا أغنتك سهامه عن مخرج الوصايا التي تلزمه ، ثم انظر سهام كل وارث من الفريضة وإن كان في سهامه بعضها أجزأتك سهامه عن مخرج باقيها وخذ له مخرج ما ليس فيها ، ثم انظر ذلك المخرج فإن وافق سهامه بجزء ، فخذ ذلك الجزء من المخرج اجعله مخرج وصيته ، وإن لم يوافقها بجزء تركت المخرج على حاله ، وإن لم يكن في سهامه شيء مما يلزمه من الوصايا فخذ مخرج وصاياه من حيث تقوم ، ثم إن وافق أحد المخرجين الآخر اضرب جزء أحدهما في كامل الأخر الآخر فما اجتمع هو المخرج لوصاياه ، وإن لم يتفق مخرج وصاياه بجزء ضربت بعضها في بعض فالمتحصل مخرج وصاياه ، وإن لم يتفقا أبقيت المخرج بحاله وافعل في حق غيره من الورثة مثل ذلك ، ثم انظر بعد هذا جميع ما حصل بيدك من مخارج الورثة هل تتماثل أو تتداخل أو تتفق بجزء ، واعمل على حسب ما تقدم ، فالمجتمع هو مخرج الورثة كلهم ، فاضرب الفريضة فيه ، فما بلغ فاقسمه على الورثة وأعط كل واحد من أهل الوصايا مما بيد كل وارث ما يلزمه .

                                                                                                                [ ص: 115 ] مثاله : ترك أما وزوجة وأختا شقيقة وأختين لأم ، الفريضة من اثني عشر تعول بالربع إلى خمسة عشر ، وأوصى بالثلث ولآخر بالسدس ، أجازت امرأته والشقيقة الثلث ، والأم والإخوة للأم السدس ، السدس والثلث ثلاثة من ستة اجعلها ثلث مال يكون مخرجهن ، لمن لم يجز له تسعة سهام ، وسهام المرأة والشقيقة تسعة ولزمهما لمن أجازتا له ثلث ما في أيديهما ، ولصاحب السدس الثلث سهم من تسعة ، فذلك في سهامها فتستغني عن مخرج وصاياهما ، وسهام الأم والأخت للأم ستة يلزمهن لصاحب السدس سدس ما في أيديهن وهو في سهامهن ، ويلزمهن لصاحب الثلث ثلثاه ثلاثة من تسعة فيكون مخرج وصاياه كلها تسعة ، اضرب الفريضة خمسة عشر في تسعة تبلغ مائة وخمسة وثلاثين ، للزوجة والشقيقة تسعة في تسعة بأحد وثمانين ، لصاحب الثلث من ذلك تسعة وعشرون ، وللسدس ثلث الثلث تسعة ، الباقي لهما خمسة وأربعون منقسمة على ثلاثة لأن سهامهما تتفق بالثلث ، ويكون للزوجة سهم في خمسة عشر ، وللشقيقة سهمان في خمسة عشر بثلاثين ، وللأم والإخوة للأم ستة في تسعة بأربعة وخمسين ، لصاحب السدس في ذلك تسعة ، وللثلث ثلثاه اثنا عشر ، الباقي لهن ثلاثة وثلاثون منقسمة عليهن لكل واحد أحد عشر ، واجتمع لصاحب الثلث تسعة وثلاثون ، سبعة وعشرون من قبل الزوجة والشقيقة ، واثنا عشر من قبل الأم وإخوة الأم ، واجتمع للسدس ثمانية عشر تسعة من كل فرقة ، ولم تتفق سهامهم بجزء من ذلك .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية