الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وفاة صاحب الموصل نور الدين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر وفاة صاحب الموصل نور الدين

أرسل الملك نور الدين شاه بن عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن [ ص: 17 ] زنكي ، صاحب الموصل يخطب ابنة السلطان الملك العادل ، وأرسل وكيله لقبول العقد على ثلاثين ألف دينار . فاتفق موت نور الدين ووكيله في أثناء الطريق ، فعقد العقد بعد وفاته ، وقد أثنى عليه ابن الأثير في كامله كثيرا وشكر منه ومن عدله وشهامته ، وهو أعلم به ، وذكر أن مدة ملكه سبع عشرة سنة وأحد عشر شهرا . وأما أبو المظفر السبط فإنه قال : كان جبارا ظالما بخيلا سفاكا للدماء . فالله أعلم . وقام في الملك من بعده ولده القاهر عز الدين مسعود ، وجعل تدبير مملكته إلى غلامه بدر الدين لؤلؤ الذي صار الملك إليه فيما بعد كما سيأتي .

قال أبو شامة : وفي سابع شوال شرع في عمارة المصلى; بني له أربع جدر مشرفة ، وجعل له أبواب صونا لمكانه من الميتات ونزول القوافل ، وجعل في قبلته محراب من حجارة ومنبر من حجارة ، وعقدت فوق ذلك قبة ، ثم في سنة ثلاث عشرة عمل في قبلته رواقان ، وعمل له منبر من خشب ، ورتب له خطيب راتب وإمام راتب ، ومات العادل ولم يتم الرواق الثاني منه ، وذلك كله على يد الوزير صفي الدين بن شكر . قال : وفي حادي عشر شوال من هذه السنة جددت أبواب الجامع الأموي من ناحية باب البريد بالنحاس الأصفر ، وركبت في أماكنها .

وفي شوال أيضا شرع في إصلاح الفوارة والشاذروان والبركة وعمل عندها مسجد ، وجعل له إمام راتب ، وأول من تولاه رجل يقال له : النفيس المصري .

[ ص: 18 ] وكان يقال له : بوق الجامع ، لطيب صوته إذا قرأ على الشيخ أبي منصور الضرير المصدر ، فيجتمع عليه الناس الكثير .

وفي ذي الحجة منها توجهت مراكب من عكا في البحر إلى ثغر دمياط وفيها ملك قبرس المسمى البال ، لعنه الله ، فدخل الثغر ليلا ، وأغار على بعض البلاد ، فقتل وسبى وغنم ، وكر راجعا ، فركب مراكبه ، فلم يدركه الطلب . وقد تقدمت له سابقة بمثلها قبل هذه ، وهذا شيء لم يتفق لغيره .

وفي هذه السنة عاثت الفرنج بنواحي القدس الشريف فبرز إليهم الملك المعظم في عساكره ، وجلس الشيخ شمس الدين أبو المظفر بن قزغلي الحنفي ، وهو سبط الشيخ أبي الفرج بن الجوزي ابن ابنته رابعة ، وهو صاحب " مرآة الزمان " ، وكان فاضلا في فنون كثيرة ، حسن الشكل ، طيب الصوت ، وكان يتكلم في الوعظ جيدا ، وتحبه العامة على صيت جده ، وقد رحل من بغداد ، فنزل دمشق وأكرمه ملوكها ، وولي التداريس الكبار بها ، وكان يجلس كل يوم سبت عند باب مشهد علي زين العابدين إلى السارية التي يجلس عندها الوعاظ في زماننا هذا ، فكان يكثر الجمع عنده حتى يكونوا من باب الناطفانيين إلى باب المشهد وإلى باب الساعات غير الوقوف ، فحزر جمعه في بعض الأيام بثلاثين ألفا من الرجال والنساء ، وكان الناس يبيتون ليلة السبت بالجامع في الصيف ويتركون البساتين والفرح في ختمات وأذكار لتحصيل الأماكن بميعاده ، فإذا فرغ من [ ص: 19 ] وعظه خرجوا إلى بساتينهم ، وليس لهم كلام إلا فيما قال يومهم ذلك .

ويحضر عنده الأكابر ، حتى الشيخ تاج الدين أبو اليمن الكندي كان يجلس في القبة التي عند باب المشهد هو ووالي البلد المعتمد ووالي البر ابن ثميرك وغيرهم . فلما جلس يوم السبت خامس ربيع الأول بالجامع - كما ذكرنا - حث الناس على الجهاد ، وأمر بإحضار ما كان قد تحصل عنده من شعور التائبين ، وقد عمل منه شكالات يحملها الرجال ، فلما رآها الناس ضجوا ضجة واحدة ، وتباكوا بكاء كثيرا ، وقطعوا من شعورهم نحوها ، فلما انقضى المجلس ، ونزل عن المنبر ، فتلقاه الوالي مبارز الدين المعتمد إبراهيم ، وكان من خيار الناس ، فمشى بين يديه إلى باب الناطفانيين يعضده حتى ركب فرسه ، والناس من بين يديه ومن خلفه ، فخرج من باب الفرج وباب المصلى ، ثم ركب من الغد في الناس إلى الكسوة ، ومعه خلائق كثيرون بنية الجهاد إلى بلاد القدس وكان من جملة من معه ثلاثمائة من أهل زملكا بالعدد التامة . قال : فجئنا عقبة أفيق ، والطير لا يتجاسر أن يطير من خوف الفرنج ، فلما وصلنا نابلس تلقانا المعظم . قال : ولم أكن اجتمعت به قبل ذلك ، فلما رأى الشكالات من شعور التائبين جعل يقبلها ، ويمرغها على وجهه ويبكي . وعمل أبو المظفر ميعادا بنابلس ، وحث على الجهاد ، وكان يوما مشهودا ، ثم ساروا صحبة المعظم إلى ناحية بلاد [ ص: 20 ] الفرنج ، فقتلوا خلقا ، وخربوا أماكن كثيرة ، وغنموا وعادوا سالمين ، وشرع المعظم في تحصين جبل الطور وبنى قلعة فيه; ليكون ألبا على الفرنج ، فغرم أموالا كثيرة في ذلك ، فبعث الفرنج إلى العادل يطلبون منه الأمان والمصالحة ، فهادنهم وبطلت تلك العمارة ، وضاع ما كان المعظم غرم عليها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث