الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 520 ] فصل في إسلام عبد الله بن سلام

قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، ثنا عوف ، عن زرارة ، عن عبد الله بن سلام ، قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، انجفل الناس إليه ، فكنت فيمن انجفل ، فلما تبينت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب ، فكان أول شيء سمعته يقول : " أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام " . ورواه الترمذي ، وابن ماجه ، من طرق عن عوف الأعرابي ، عن زرارة بن أبي أوفى به عنه . وقال الترمذي : صحيح . ومقتضى هذا السياق يقتضي أنه سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ورآه أول قدومه حين أناخ بقباء في بني عمرو بن عوف ، وتقدم في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس أنه اجتمع به حين أناخ عند دار أبي أيوب ، بعد ارتحاله من قباء إلى دار بني النجار . كما تقدم ، فلعله رآه أول ما رآه بقباء ، واجتمع به بعدما صار إلى دار بني النجار . والله أعلم .

[ ص: 521 ] وفي سياق البخاري من طريق عبد العزيز ، عن أنس قال : فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام فقال : أشهد أنك رسول الله ، وأنك جئت بحق ، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم ، وأعلمهم وابن أعلمهم ، فادعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت ، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في . فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهود فدخلوا عليه ، فقال لهم : " يا معشر اليهود ، ويلكم ، اتقوا الله ، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا ، وأني جئتكم بحق فأسلموا " . قالوا : ما نعلمه . قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ، قالها ثلاث مرار . قال : " فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام ؟ " . قالوا : ذاك سيدنا وابن سيدنا ، وأعلمنا وابن أعلمنا . قال : " أفرأيتم إن أسلم ؟ " . قالوا : حاش لله ، ما كان ليسلم . قال : " يا ابن سلام ، اخرج عليهم " . فخرج فقال : يا معشر يهود ، اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله ، وأنه جاء بالحق . فقالوا : كذبت . فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - هذا لفظه . وفي رواية - : فلما خرج عليهم شهد شهادة الحق قالوا : شرنا وابن شرنا ، وتنقصوه ، فقال : يا رسول الله ، هذا الذي كنت أخاف .

وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا الأصم ، حدثنا محمد [ ص: 522 ] بن إسحاق الصغاني ، ثنا عبد الله بن بكر ، ثنا حميد ، عن أنس ، قال : سمع عبد الله بن سلام بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو في أرض له ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي; ما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة ؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه ؟ قال : " أخبرني بهن جبريل آنفا " . قال : جبريل ؟ قال : " نعم " . قال : عدو اليهود من الملائكة . ثم قرأ : من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله [ البقرة : 97 ] قال : " أما أول أشراط الساعة فنار تخرج على الناس من المشرق إلى المغرب ، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة ، فزيادة كبد حوت ، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد ، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد " . قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، يا رسول الله ، إن اليهود قوم بهت ، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني . فجاءت اليهود فقال : " أي رجل عبد الله فيكم ؟ " قالوا : خيرنا [ ص: 523 ] وابن خيرنا ، وسيدنا وابن سيدنا . قال : " أرأيتم إن أسلم ؟ " قالوا : أعاذه الله من ذلك . فخرج عبد الله فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله . قالوا : شرنا وابن شرنا وانتقصوه . قال : هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله . ورواه البخاري عن عبد الله بن منير ، عن عبد الله بن بكر به ، ورواه عن حامد بن عمر ، عن بشر بن المفضل ، عن حميد به .

قال محمد بن إسحاق : حدثني عبد الله بن أبي بكر ، عن يحيى بن عبد الله ، عن رجل من آل عبد الله بن سلام قال : كان من حديث عبد الله بن سلام حين أسلم ، وكان حبرا عالما ، قال : لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعرفت صفته واسمه وهيئته ، والذي كنا نتوكف له فكنت مسرا لذلك صامتا عليه ، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فلما قدم نزل بقباء في بني عمرو بن عوف ، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه ، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها ، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة ، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت ، فقالت عمتي حين سمعت تكبيري : لو كنت [ ص: 524 ] سمعت بموسى بن عمران ما زدت! قال : قلت لها : أي عمة ، هو والله أخو موسى بن عمران ، وعلى دينه بعث بما بعث به . قال : فقالت له : يا ابن أخي ، أهو الذي كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة ؟ قال : قلت لها : نعم . قالت : فذاك إذا . قال : فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت ، ثم رجعت إلى أهل بيتي ، فأمرتهم فأسلموا ، وكتمت إسلامي من اليهود ، وقلت : يا رسول الله ، إن اليهود قوم بهت ، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك ، فتغيبني عنهم ، ثم تسألهم عني ، فيخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي ، فإنهم إن يعلموا بذلك ، بهتوني وعابوني وذكر نحو ما تقدم . قال : فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي ، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث .

وقال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني عبد الله بن أبي بكر ، حدثني محدث عن صفية بنت حيي ، قالت : لم يكن أحد من ولد أبي وعمي أحب إليهما مني ، لم ألقهما في ولد لهما قط أهش إليهما إلا أخذاني دونه ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء - قرية بني عمرو بن عوف - غدا إليه أبي وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين ، فوالله ما جاءانا إلا مع مغيب الشمس ، فجاءانا فاترين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى ، فهششت إليهما كما كنت أصنع ، فوالله ما نظر إلي واحد منهما ، فسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي : أهو هو ؟ قال : نعم والله . قال تعرفه بعينه وصفته ؟ قال : نعم والله . قال : [ ص: 525 ] فماذا في نفسك منه ؟ قال : عداوته والله ما بقيت .

وذكر موسى بن عقبة ، عن الزهري ، أن أبا ياسر بن أخطب حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ذهب إليه ، وسمع منه ، وحادثه ، ثم رجع إلى قومه ، فقال : يا قوم ، أطيعوني; فإن الله قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرون ، فاتبعوه ولا تخالفوه . فانطلق أخوه حيي بن أخطب - وهو يومئذ سيد اليهود ، وهما من بني النضير - فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه ، ثم رجع إلى قومه ، وكان فيهم مطاعا ، فقال : أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدوا أبدا . فقال له أخوه أبو ياسر : يا ابن أم ، أطعني في هذا الأمر واعصني فيما شئت بعده ، لا تهلك . قال : والله لا أطيعك أبدا . واستحوذ عليه الشيطان واتبعه قومه على رأيه .

قلت : أما أبو ياسر بن أخطب فلا أدري ما آل إليه أمره ، وأما حيي بن أخطب والد صفية بنت حيي ، فشرب عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولم يزل ذلك دأبه حتى قتل صبرا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قتل مقاتلة بني قريظة ، كما سيأتي إن شاء الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث