الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

منافسة بين ابن جملة وبين الشيخ الظهير

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

قضية القاضي ابن جملة

لما كان في العشر الأخر من رمضان وقع بين القاضي ابن جملة وبين الشيخ الظهير شيخ ملك الأمراء - وكان هو السفير في تولية ابن جملة القضاء - فوقع [ ص: 363 ] بينهما منافسة ومحاققة في أمور كانت بينه وبين الدودار المتقدم ذكره ناصر الدين ، فحلف كل واحد منهما على خلاف ما حلف الآخر عليه ، وتفاصلا من دار السعادة في المسجد ، فلما رجع القاضي إلى منزله بالعادلية أرسل إلى الشيخ الظهير ليحكم فيه بما فيه المصلحة ، وذلك عن مرسوم النائب ، وكأنه كان خديعة في الباطن وإظهارا لنصرة القاضي عليه في الظاهر ، فبدر به القاضي بادي الرأي فعزره بين يديه ، ثم خرج من عنده فتسلمه أعوان ابن جملة ، فطافوا به البلد على حمار يوم الأربعاء سابع عشرين رمضان ، وضربوه ضربا عنيفا ، ونادوا عليه : هذا جزاء من يكذب ويفتات على الشرع ، فتألم الناس له; لكونه في الصيام وفي العشر الأخير من رمضان ، ويوم سبعة وعشرين ، وهو شيخ كبير صائم ، فيقال : إنه ضرب يومئذ ألفين ومائة وإحدى وسبعين درة ، والله أعلم .

فما أمسى حتى استفتي على القاضي المذكور وداروا على المشايخ بسبب ذلك عن مرسوم النائب ، فلما كان يوم تاسع عشرين رمضان عقد نائب السلطنة بين يديه بدار السعادة مجلسا حافلا بالقضاة وأعيان المفتين من سائر المذاهب ، وأحضر ابن جملة قاضي القضاة الشافعية ، والمجلس قد احتفل بأهله ، ولم يأذنوا لابن جملة في الجلوس ، بل قام قائما ثم أجلس بعد ساعة في طرف الحلقة إلى جانب المحفة التي فيها الشيخ الظهير ، وادعى عليه عند بقية القضاة أنه حكم فيه لنفسه ، واعتدى عليه في العقوبة ، وأفاض الحاضرون في ذلك ، وانتشر [ ص: 364 ] الكلام ، وفهموا من نفس النائب الحط على ابن جملة ، والميل عنه بعد أن كان إليه ، فما انفصل المجلس حتى حكم القاضي شرف الدين المالكي بفسقه وعزله وسجنه ، فانفض المجلس على ذلك ، ورسم على ابن جملة بالعذراوية ، ثم نقل إلى القلعة جزاء وفاقا ، والحمد لله وحده ، وكان له في القضاء سنة ونصف إلا أياما ، وكان يباشر الأحكام جيدا ، وكذا الأوقاف المتعلقة به ، وفيه نزاهة وتمييز الأوقاف بين الفقهاء والفقراء ، وفيه صرامة وشهامة وإقدام ، لكنه أخطأ في هذه الواقعة ، وتعدى فيها ، فآل أمره إلى هذا .

وخرج الركب يوم الاثنين عاشر شوال ، وأميره ألجيبغا ، وقاضيه مجد الدين بن حيان المصري .

وفي يوم الاثنين الرابع والعشرين درس بالإقبالية الحنفية نجم الدين ابن قاضي القضاة عماد الدين الطرسوسي الحنفي عوضا عن شمس الدين محمد بن عثمان بن محمد الأصبهاني بن العجمي الحبطي ، ويعرف بابن الحنبلي ، وكان فاضلا دينا متقشفا ، كثير الوسوسة في الماء جدا ، وأما المدرس مكانه وهو نجم الدين بن الحنفي ، فإنه ابن خمس عشرة سنة ، وهو في النباهة ، والفهم ، وحسن الاشتغال ، والشكل ، والوقار ، بحيث غبط الحاضرون كلهم أباه على ذلك; ولهذا آل أمره أن تولى قضاء القضاة في حياة أبيه ، نزل له عنه ، وحمدت سيرته وأحكامه .

وفي هذا الشهر أثبت محضر في حق الصاحب شمس الدين غبريال المتوفى هذه السنة - أنه كان يشتري أملاكا من بيت المال ، ويوقفها ، ويتصرف فيها تصرف [ ص: 365 ] الملاك لنفسه ، وشهد بذلك كمال الدين الشيرازي ، وابن أخيه عماد الدين ، وعلاء الدين القلانسي ، وابن خاله عماد الدين القلانسي ، وعز الدين بن المنجا ، وتقي الدين بن مراجل ، وجمال الدين بن الفويره ، وأثبت على القاضي برهان الدين الزرعي الحنبلي ، ونفذه بقية القضاة ، وامتنع المحتسب عز الدين بن القلانسي من الشهادة ، فرسم عليه بالعذراوية قريبا من شهر ، ثم أفرج عنه ، وعزل عن الحسبة ، واستمر على نظر الخزانة .

وفي يوم الأحد ثامن عشرين ذي القعدة حملت خلعة القضاء إلى الشيخ شهاب الدين بن المجد وكيل بيت المال يومئذ ، فلبسها ، وركب إلى دار السعادة ، وقرئ تقليده بحضرة نائب السلطنة والقضاة ، ثم رجع إلى مدرسته الإقبالية ، فقرئ بها أيضا ، وحكم بين خصمين ، وكتب على أوراق السائلين ، ودرس بالعادلية ، والغزالية ، والأتابكية ، مع تدريس الإقبالية ، وذلك عوضا عن ابن جملة .

وفي يوم الجمعة رابع الحجة حضر الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى ، وفي صحبته صاحب حماة الأفضل بن المؤيد ، فتلقاهما تنكز وأكرمهما ، وصليا الجمعة عند النائب ، ثم توجها إلى مصر ، فتلقاهما أعيان الأمراء ، وأكرم السلطان مهنا بن عيسى ، وأطلق له أموالا جزيلة كثيرة من الذهب ، والفضة ، والقماش ، وأقطعه عدة قرى ، ورسم له بالعود إلى أهله ، ففرح الناس بذلك . قالوا : وكان [ ص: 366 ] جميع ما أنعم عليه السلطان به قيمة مائة ألف دينار ، وخلع عليه وعلى أصحابه مائة وسبعون خلعة .

وفي يوم الأحد سادس الحجة حضر درس الرواحية الفخر المصري عوضا عن قاضي القضاة ابن المجد ، وحضر عنده القضاة الأربعة وأعيان الفضلاء .

وفي يوم عرفة خلع على نجم الدين بن أبي الطيب بوكالة بيت المال ، عوضا عن قاضي القضاة ابن المجد ، وعلى الشيخ عز الدين بن منجا بنظر الجامع ، وعلى عماد الدين بن الشيرازي بالحسبة عوضا عن عز الدين بن القلانسي ، وخرج الثلاثة من دار السعادة بالطرحات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث