الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مسك منجك ، وصفة الظهور عليه ، وقد كان مختفيا بدمشق قريبا من سنة .

لما كان يوم الخميس السابع والعشرين من المحرم ، جاء ناصح إلى نائب السلطنة الأمير سيف الدين أسندمر ، فأخبره بأن منجك في دار بالشرف الأعلى ، فأرسل من فوره إلى ذلك المنزل الذي هو فيه بعض الحجبة ، ومن عنده من [ ص: 603 ] خواصه - فأحضر إلى بين يديه محتفظا عليه جدا ، بحيث إن بعضهم ردفه من ورائه واحتضنه ، فلما واجهه نائب السلطنة أكرمه ، وتلقاه ، وأجلسه معه على مقعدته ، وتلطف به ، وسقاه ، وأضافه - وقد قيل : إنه كان صائما فأفطر عنده - وأعطاه من ملابسه ، وقيده ، وأرسله إلى السلطان من ليلته - ليلة الجمعة - مع جماعة من الجند وبعض الأمراء; منهم حسام الدين أمير حاجب ، وقد كان أرسل نائب السلطنة ولده بسيف منجك من أوائل النهار ، وتعجب الناس من هذه القضية جدا ، وما كان يظن كثير من الناس إلا أنه قد عدم باغتيال أو أنه في بعض البلاد النائية ، ولم يشعر الناس أنه في وسط دمشق ، وأنه يمشي بينهم متنكرا ، وقد ذكر أنه كان يحضر الجمعات بجامع دمشق ، ويمشي بين الناس متنكرا في لبسه وهيئته ، ومع هذا لن يغني حذر من قدر ، ولكل أجل كتاب ، وأرسل ولد ملك الأمراء بالسيف وبملابسه التي كان يتنكر بها ، وبعث هو مع جماعة من الأمراء الحجبة ، وغيرهم ، وجيش كثيف إلى الديار المصرية مقيدا محتفظا عليه ، ورجع ابن ملك الأمراء بالتحف ، والهدايا ، والخلع ، والأنعام لوالده ، ولحاجب الحجاب ، ولبس ذلك الأمراء يوم الجمعة ، واحتفل الناس بالشموع ، وغيرها ، ثم تواترت الأخبار بدخول منجك إلى السلطان ، وعفوه عنه ، وخلعته الكاملة عليه ، وإطلاقه له الحسام ، والخيول المسومة ، والألبسة المفتخرة ، والأموال ، والأمان ، وتقديم الأمراء والأكابر له من سائر صنوف التحف ، وقدم الأمير علي من صفد قاصدا إلى حماة لنيابتها ، فنزل القصر الأبلق ليلة الخميس رابع صفر ، [ ص: 604 ] وتوجه ليلة الأحد سابعه .

وفي يوم الخميس الثامن عشر من صفر قدم القاضي بهاء الدين أبو البقاء من طرابلس بمرسوم شريف أن يعود إلى دمشق على وظائفه المبقاة عليه ، وقد كان ولده ولي الدين ينوب عنه فيها ، فتلقاه كثير من الناس إلى أثناء الطريق ، وبرز إليه قاضي القضاة تاج الدين إلى حرستا ، وراح الناس إلى تهنئته إلى داره ، وفرحوا برجوعه إلى وطنه . ووقع مطر عظيم في أول هذا الشهر - وهو أثناء شهر شباط - وثلج عظيم جدا ، فرويت البساتين التي كانت لها عن الماء عدة شهور ، ولا يحصل لأحد من الناس سقي إلا بكلفة عظيمة ومشقة ، ومبلغ كثير ، حتى كاد الناس يقتتلون عليه بالأيدي ، والدبابيس ، وغير ذلك من البذل الكثير ، وذلك في شهور كانون الأول والثاني ، وأول شباط; وذلك لقلة مياه الأنهار وضعفها ، وكذلك بلاد حوران أكثرهم يروون من أماكن بعيدة في هذه الشهور ، ثم من الله تعالى فجرت الأودية ، وكثرت الأمطار ، والثلوج ، وغزرت الأنهار ، ولله الحمد والمنة . وتوالت الأمطار فكأنه حصل السيل في هذه السنة من كانون إلى شباط ، فكأن شباط هو كانون ، وكانون لم يسل فيه ميزاب واحد . ووصل في هذا الشهر الأمير سيف الدين منجك إلى القدس الشريف; ليبتني للسلطان مدرسة وخانقاه غربي المسجد الشريف ، وأحضر الطرخان الذي كتب له بماء الذهب إلى دمشق ، وشاهده الناس ، ووقعت على نسخته وفيها تعظيم زائد ومدح [ ص: 605 ] وثناء له ، وشكر على متقدم خدمه لهذه الدولة ، والعفو عما مضى من زلاته ، وذكر سيرته بعبارة حسنة .

وفي أوائل شهر ربيع الآخر رسم على المعلم سنجر مملوك ابن هلال صاحب الأموال الجزيلة بمرسوم شريف قدم مع البريد ، وطلب منه ستمائة ألف درهم ، واحتيط على العمارة التي أنشاها عند باب الناطفانيين ليجعلها مدرسة ، ورسم بأن يعمر مكانها مكتب للأيتام ، وأن يوقف عليهم كفايتهم جارية عليهم ، وكذلك رسم بأن يجعل في كل مدرسة من مدارس المملكة الكبار ، وهذا مقصد جيد ، وسلم المعلم سنجر إلى شاد الدواوين يستخلص منه المبلغ المذكور سريعا ، فعاجل بحمل مائتي ألف ، وسيرت مع أمير عشرة إلى الديار المصرية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث