الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 509 ] ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وخمسمائة

فيها طلب الفرنج من السلطان صلاح الدين - وكان قد أقام بدمشق في مرج الصفر - أن يهادنهم فأجابهم إلى ذلك ; لأن الشام كان مجدبا ويحتاج إلى ذلك . وأرسل جيشه صحبة القاضي الفاضل إلى الديار المصرية ; ليستغلوا المغل ثم يقبلوا ، وعزم هو على المقام بالشام واعتمد على كاتبه العماد عوضا عن أفصح العباد بتلك البلاد ، وهو القاضي الفاضل قدوة العلماء والأفاضل ورحلة الطالبين وزين المحافل زين الإسلام ومن لسانه أحد ، من حسام ولكن احتاج السلطان إلى إرساله إلى الديار المصرية ; ليكون عينا وعونا له بها ، ولسانا فصيحا يعبر عنها فاحتاج إلى أن يتعوض عنه ، ولم يكن أحد أعز عليه ولا أحب إليه منه :


وما عن رضا كانت سليمى بديلة بليلى ولكن للضرورات أحكام

وكانت إقامته ببلاد الشام وإرسال الجيش صحبة القاضي الفاضل غاية الحزم والتدبير والاهتمام ; ليحفظ ما استجد من الممالك خوفا عليه من سطوة من هنالك .

فلما أرسل الجيوش إلى مصر وبقي هو في طائفة قليلة من عسكره ، والله قد [ ص: 510 ] تكفل له ولهم بالنصر كتب صاحب الموصل سيف الدين غازي ابن أخي نور الدين إلى جماعة الحلبيين يلومهم على ما وقع بينهم وبين الملك صلاح الدين من المصالحة ، وقد كان إذ ذاك مشغولا بمحاصرة أخيه عماد الدين زنكي بسنجار - وليست هذه بفعلة صالحة - وما كان سبب قتاله لأخيه إلا انتماؤه إلى طاعة الملك الناصر وذويه فاصطلح مع أخيه حين عرف قوة الناصر وناصريه ، ثم حرض الحلبيين على نبذ العهود إلى الملك صلاح الدين ، فأرسلوا إليه بالعهود التي عاهدوه عليها ودعوه إليها ، فاستعان عليهم بالله وأرسل إلى الجيوش المصرية ليقدموا إليه فأقبل صاحب الموصل في عساكره ومشاريه ودساكره . واجتمع بابن عمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ، وسار في عشرين ألف مقاتل على الخيول الضمر الجرد الأبابيل ، وسار نحوهم الناصر وهو كالهزبر الكاسر ، وإنما معه ألف فارس من الحماة و كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله [ البقرة : 229 ] ولكن الجيوش قد خرجت من الديار المصرية في جحافل كالجبال وعدة وعدد كالرمال ، فاجتمع الفريقان وتداعوا للنزال ، وذلك في يوم الخميس العاشر من شوال فاقتتلوا قتالا هائلا ، حتى حمل السلطان بنفسه الكريمة ، وكانت بإذن الله الهزيمة ، فقتلوا خلقا من الحلبيين والمواصلة وأخذوا مضارب الملك سيف الدين غازي وحواصله وأسروا جماعة من رءوسهم فأطلقهم السلطان بعدما أفاض الخلع على أبدانهم ورءوسهم ، وقد كانوا استعانوا بجماعة من الفرنج في حال القتال ، وليس هذا من صنيع الصناديد الأبطال . وقد وجد السلطان في مخيم السلطان غازي شيئا من الأقفاص التي فيها الطيور المطربة - وذلك في مجلس شرابه المسكر - وكيف من كان هذا [ ص: 511 ] مسلكه ومذهبه ينتصر ؟! فأمر السلطان بردها عليه وتسييرها إليه ، وقال للرسول : قل له بعد وصولك إليه وسلامك عليه : اشتغالك بهذه الطيور أحب إليك من الوقوع فيما رأيت من المحذور . وغنم السلطان من أموالهم شيئا كثيرا ففرقه على أصحابه وأحبابه وأنصاره غيبا كانوا أو حضورا ، وأنعم بخيمة الملك سيف الدين غازي على ابن أخيه عز الدين فروخشاه بن شاهنشاه بن نجم الدين ، ورد ما كان في وطاقه من الجواري والمغنيات ، وقد كان معه أكثر من مائة مغنية ورد الأقفاص وآلات اللعب إلى حلب وقال : قولوا له : هذا أحب إليك من الحرب . ووجد عسكر المواصلة كالحانة من كثرة الخمور والبرابط والملاهي ، وهذه سبيل من هو عن طريق الخير ساه لاه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث