الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النوع الرابع والخمسون في كناياته وتعريضه

فصل .

[ الفرق بين الكناية والتعريض ] .

للناس في الفرق بين الكناية والتعريض عبارات متقاربة : فقال الزمخشري : الكناية ذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له ، والتعريض أن تذكر شيئا تدل به على شيء لم تذكره .

وقال ابن الأثير : الكناية ما دل على معنى يجوز حمله على الحقيقة والمجاز ، بوصف جامع بينهما . والتعريض : اللفظ الدال على معنى ، لا من جهة الوضع الحقيقي أو المجازي ، كقول من يتوقع صلة : والله إني محتاج ، فإنه تعريض بالطلب مع أنه لم يوضع له حقيقة ولا مجازا ، وإنما فهم من عرض اللفظ ؛ أي : جانبه .

وقال السبكي في كتاب " الإغريض في الكناية والتعريض " : الكناية لفظ استعمل في معناه مرادا منه لازم المعنى ، فهي بحسب استعمال اللفظ في المعنى حقيقة ، والتجوز في إرادة إفادة ما لم يوضع له ، وقد لا يراد بها المعنى بل يعبر بالملزوم عن اللازم ، وهي حينئذ مجاز .

ومن أمثلته : قل نار جهنم أشد حرا [ التوبة : 81 ] ، فإنه لم يقصد إفادة ذلك لأنه معلوم ، بل إفادة لازمه ، وهو أنهم يردونها ويجدون حرها إن لم يجاهدوا .

وأما التعريض فهو لفظ استعمل في معناه للتلويح بغيره ، نحو : بل فعله كبيرهم هذا [ الأنبياء : 93 ] ، [ ص: 63 ] نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتخذة آلهة ، كأنه غضب أن تعبد الصغار معه تلويحا لعابدها بأنها لا تصلح أن تكون آلهة لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم من عجز كبيرها عن ذلك الفعل ، والإله لا يكون عاجزا ، فهو حقيقة أبدا .

وقال السكاكي : التعريض ما سيق لأجل موصوف غير مذكور .

ومنه أن يخاطب واحد ويراد غيره ، وسمي به لأنه أميل الكلام إلى جانب مشارا به إلى آخر .

يقال : نظر إليه بعرض وجهه ؛ أي : جانبه .

قال الطيبي : وذلك يفعل إما لتنويه جانب الموصوف ، ومنه : ورفع بعضهم درجات [ البقرة : 253 ] ؛ أي : محمدا صلى الله عليه وسلم إعلاء لقدره ؛ أي : أنه العلم الذي لا يشتبه .

وإما لتلطف به واحتراز عن المخاشنة ، نحو : وما لي لا أعبد الذي فطرني [ يس : 22 ] ؛ أي : ومالكم لا تعبدون بدليل قوله : وإليه ترجعون [ يس : 22 ] ، وكذا قوله : أأتخذ من دونه آلهة [ يس : 23 ] ، ووجه حسنه إسماع من يقصد خطابه الحق على وجه يمنع غضبه إذ لم يصرح بنسبيته لباطل والإعانة على قبوله إذ لم يرد له إلا ما أراده لنفسه .

وإما لاستدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم ، ومنه : لئن أشركت ليحبطن عملك [ الزمر : 65 ] ، خوطب النبي صلى الله عليه وسلم وأريد غيره لاستحالة الشرك عليه شرعا .

وإما للذم ، نحو : إنما يتذكر أولو الألباب [ الرعد : 19 ] ، فإنه تعريض لذم الكفار ، وإنهم في حكم البهائم الذين لا يتذكرون .

وإما للإهانة والتوبيخ ، نحو : وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت [ التكوير : 8 ، 9 ] ، فإن سؤالها لإهانة قاتلها وتوبيخه .

وقال السبكي : التعريض قسمان : قسم يراد به معناه الحقيقي ، ويشار به إلى المعنى الآخر المقصود كما تقدم .

وقسم لا يراد ، بل يضرب مثلا للمعنى الذي هو مقصود التعريض كقول إبراهيم : بل فعله كبيرهم هذا [ الأنبياء : 63 ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث