الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 65 ] وينقسم الحصر باعتبار آخر إلى ثلاثة أقسام : قصر إفراد ، وقصر قلب ، وقصر تعيين .

فالأول : يخاطب به من يعتقد الشركة ، نحو : إنما هو إله واحد [ النحل : 51 ] ، خوطب به من يعتقد اشتراك الله والأصنام في الألوهية .

والثاني : يخاطب به من يعتقد إثبات الحكم لغير من أثبته المتكلم له ، نحو : ربي الذي يحيي ويميت [ البقرة : 258 ] خوطب به نمروذ الذي اعتقد أنه هو المحيي المميت دون الله . ألا إنهم هم السفهاء [ البقرة : 13 ] ، خوطب به من اعتقد من المنافقين أن المؤمنين سفهاء دونهم . وأرسلناك للناس رسولا [ النساء : 79 ] ، خوطب به من يعتقد من اليهود اختصاص بعثته بالعرب .

والثالث : يخاطب به من تساوى عنده الأمران ، فلم يحكم بإثبات الصفة لواحد بعينه ولا لواحد بإحدى الصفتين بعينها .

فصل [ طرق الحصر ] .

طرق الحصر كثيرة .

أحدها : النفي والاستثناء سواء كان النفي بلا أو ما أو غيرهما . والاستثناء بإلا أو غير ، نحو : لا إله إلا الله [ الصافات : 35 ] ، وما من إله إلا الله [ آل عمران : 62 ] ، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به [ المائدة : 117 ] .

ووجه إفادة الحصر أن الاستثناء المتفرغ لا بد أن يتوجه النفي فيه إلى مقدر وهو مستثنى منه ؛ لأن الاستثناء إخراج فيحتاج إلى مخرج منه ، والمراد التقدير المعنوي لا الصناعي ، ولا بد أن يكون عاما ؛ لأن الإخراج لا يكون إلا من عام ولا بد أن يكون مناسبا للمستثنى في جنسه ، مثل : ما قام إلا زيد ؛ أي : أحد ، وما أكلت إلا تمرا ؛ أي : مأكولا . ولا بد أن يوافقه في صفته ؛ أي : إعرابه ، وحينئذ يجب القصر إذا أوجب منه شيء بإلا ضرورة ، ببقاء ما عداه على صفة الانتفاء .

[ ص: 66 ] وأصل استعمال هذا الطريق أن يكون المخاطب جاهلا بالحكم ، وقد يخرج عن ذلك فينزل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب ، نحو : وما محمد إلا رسول [ آل عمران : 144 ] ، فإنه خطاب للصحابة وهم لم يكونوا يجهلون رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه نزل استعظامهم له عن الموت منزلة من يجهل رسالته ؛ لأن كل رسول لا بد من موته فمن استبعد موته فكأنه استبعد رسالته .

الثاني : إنما الجمهور على أنها للحصر فقيل بالمنطوق ، وقيل : بالمفهوم .

وأنكر قوم إفادتها ، منهم أبو حيان ، واستدل مثبتوه بأمور .

منها قوله تعالى : إنما حرم عليكم الميتة [ البقرة : 173 ] ، بالنصب فإن معناه : ما حرم عليكم إلا الميتة ؛ لأنه المطابق في المعنى لقراءة الرفع ، فإنها للقصر ، فكذا قراءة النصب ، والأصل استواء معنى القراءتين .

ومنها أن ( إن ) للإثبات وما للنفي فلا بد أن يحصل القصر للجمع بين النفي والإثبات ، لكن تعقب بأن ( ما ) زائدة كافة لا نافية .

ومنها : أن ( إن ) للتأكيد و ( ما ) كذلك فاجتمع تأكيدان فأفاد الحصر ، قاله السكاكي . وتعقب بأنه لو كان اجتماع تأكيدين يفيد الحصر لأفاده ، نحو : إن زيدا لقائم .

وأجيب بأن مراده : لا يجتمع حرفا تأكيد متواليان إلا للحصر .

ومنها قوله تعالى : قال : إنما العلم عند الله [ الأحقاف : 23 ] ، قال إنما يأتيكم به الله [ هود : 33 ] ، قل إنما علمها عند ربي [ الأعراف : 187 ] ، فإنه إنما تحصل مطابقة الجواب إذا كانت إنما للحصر ليكون معناها : لا آتيكم به إنما يأتي به الله ، ولا أعلمها إنما يعلمها الله ، وكذا قوله : ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس [ الشورى : 41 ، 42 ] ، ما على المحسنين من سبيل إلى قوله : إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء [ التوبة : 91 - 93 ] .

وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي [ الأعراف : 203 ] ، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ [ آل عمران : 20 ] ، لا يستقيم المعنى في هذه الآيات ونحوها إلا بالحصر ، وأحسن ما يستعمل إنما هو من مواقع التعريض ، نحو : إنما يتذكر أولو الألباب .

[ ص: 67 ] الثالث : ( أنما ) بالفتح عدها من طرق الحصر الزمخشري والبيضاوي فقالا في قوله تعالى : قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد [ الأنبياء : 108 ] إنما لقصر الحكم على شيء ، أو لقصر الشيء على حكم ، نحو : إنما زيد قائم ، وإنما يقوم زيد ، وقد اجتمع الأمران في هذه الآية ؛ لأن : إنما يوحى إلي مع فاعله بمنزلة إنما يقوم زيد ، و أنما إلهكم بمنزلة إنما زيد قائم . وفائدة اجتماعهما الدلالة على أن الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مقصور على استئثار الله بالوحدانية .

وصرح التنوخي في الأقصى القريب بكونها للحصر ، فقال : كلما أوجب أن إنما بالكسر لحصر أوجب أن إنما بالفتح للحصر ؛ لأنها فرع عنها ، وما ثبت للأصل ثبت للفرع ما لم يثبت مانع منه ، والأصل عدمه . ورد أبو حيان على الزمخشري ما زعمه بأنه يلزمه انحصار الوحي في الوحدانية .

وأجيب بأنه حصر مجازي باعتبار المقام .

الرابع : العطف بلا أو بل ، ذكره أهل البيان ، ولم يحكوا فيه خلافا نازع فيه الشيخ بهاء الدين في عروس الأفراح ، فقال : أي قصر في العطف بلا إنما فيه نفي وإثبات ، فقولك زيد شاعر لا كاتب لا تعرض فيه لنفي صفة ثالثة ، والقصر إنما يكون بنفي جميع الصفات غير المثبت حقيقة أو مجازا ، وليس هو خاصا بنفي الصفة التي يعتقدها المخاطب ، وأما العطف ببل فأبعد منه لأنه لا يستمر فيها النفي والإثبات .

الخامس : تقديم المعمول ، نحو : إياك نعبد [ الفاتحة : 5 ] ، لإلى الله تحشرون [ آل عمران : 158 ] ، وخالف فيه قوم وسيأتي بسط الكلام فيه قريبا .

السادس : ضمير الفصل ، نحو : فالله هو الولي [ الشورى : 9 ] ؛ أي : لا غيره وأولئك هم المفلحون [ البقرة : 5 ] ، إن هذا لهو القصص الحق [ آل عمران : 62 ] ، إن شانئك هو الأبتر [ الكوثر : 3 ] ، وممن ذكر أنه للحصر البيانيون في بحث المسند إليه ، واستدل له السهيلي بأنه : أتي به في كل موضع ادعي فيه نسبة ذلك المعنى إلى غير الله ، ولم يؤت به حيث لم يدع ، [ ص: 68 ] وذلك في قوله : وأنه هو أضحك وأبكى [ النجم : 43 ] ، إلى آخر الآيات ، فلم يؤت به في : وأنه خلق الزوجين [ النجم : 45 ] ، وأن عليه النشأة [ النجم : 47 ] ، وأنه أهلك عادا الأولى [ النجم : 50 ] ؛ لأن ذلك لم يدع لغير الله وأتي به في الباقي لادعائه لغيره .

قال في " عروس الأفراح " : وقد استنبطت دلالته على الحصر من قوله : فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم [ المائدة : 117 ] ؛ لأنه لو لم يكن للحصر لما حسن ، لأن الله لم يزل رقيبا عليهم ، وإنما الذي حصل بتوفيته أنه لم يبق لهم رقيب غير الله تعالى ، ومن قوله : لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون [ الحشر : 20 ] ، فإنه ذكر لتبيين عدم الاستواء ، وذلك لا يحسن إلا بأن يكون الضمير للاختصاص .

السابع : تقديم المسند إليه على ما قاله الشيخ عبد القاهر : قد يقدم المسند إليه ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلي . والحاصل على رأيه أن له أحوالا .

أحدها : أن يكون المسند إليه معرفة ، والمسند مثبتا ، فيأتي للتخصيص ، نحو : أنا قمت وأنا سعيت في حاجتك . فإن قصد به قصر الإفراد أكد بنحو ( وحدي ) أو قصر القلب أكد بنحو ( لا غيري ) ومنه : بل أنتم بهديتكم تفرحون [ النمل : 36 ] ، فإن ما قبله من قوله : أتمدونني بمال [ النمل : 36 ] ، ولفظ ( بل ) المشعر بالإضراب يقضي بأن المراد : بل أنتم لا غيركم ، على أن المقصود نفي فرحه هو بالهدية ، لا إثبات الفرح لهم بهديتهم . قاله في عروس الأفراح .

قال : وكذا قوله : لا تعلمهم نحن نعلمهم [ التوبة : 101 ] ؛ أي : لا يعلمهم إلا نحن .

وقد يأتي للتقوية والتأكيد دون التخصيص .

قال الشيخ بهاء الدين : ولا يتميز ذلك إلا بما يقتضيه الحال وسياق الكلام .

ثانيها : أن يكون المسند منفيا ، نحو : ( أنت لا تكذب ) فإنه أبلغ في نفي الكذب من ( لا تكذب ) ومن ( لا تكذب أنت ) .

وقد يفيد التخصيص ومنه : فهم لا يتساءلون [ القصص : 66 ] .

ثالثها : أن يكون المسند إليه نكرة مثبتا ، نحو : رجل جاءني ، فيفيد التخصيص إما بالجنس ؛ أي : لا امرأة ، أو الوحدة ؛ أي : لارجلان .

رابعها : أن يلي المسند إليه حرف النفي فيفيده ، نحو : ما أنا قلت هذا ؛ أي : لم أقله ، مع أن غيري قاله ، ومنه : وما أنت علينا بعزيز [ هود : 91 ] ؛ أي : العزيز علينا رهطك لا أنت ، ولذا قال : أرهطي أعز عليكم من الله [ هود : 92 ] .

[ ص: 69 ] هذا حاصل رأي الشيخ عبد القاهر ، ووافقه السكاكي ، وزاد شروطا وتفاصيل بسطناها في شرح ألفية المعاني .

الثامن : تقديم المسند ، ذكر ابن الأثير وابن النفيس وغيرهما أن تقديم الخبر على المبتدأ يفيد الاختصاص ورده صاحب الفلك الدائر بأنه لم يقل به أحد وهو ممنوع ، فقد صرح السكاكي وغيره بأن تقديم ما رتبته التأخير يفيده ، ومثلوه بنحو : تميمي أنا .

التاسع : ذكر المسند إليه . ذكر السكاكي أنه قد يذكر ليفيد التخصيص ، وتعقبه صاحب الإيضاح ، وصرح الزمخشري بأنه أفاد الاختصاص في قوله : الله يبسط الرزق [ الرعد : 26 ] ، وفي قوله : الله نزل أحسن الحديث [ الزمر : 23 ] ، وفي قوله : والله يقول الحق وهو يهدي السبيل [ الأحزاب : 4 ] ، ويحتمل أنه أراد أن تقديمه أفاده فيكون من أمثلة الطريق السابع .

العاشر : تعريف الجزأين ، ذكر الإمام فخر الدين في نهاية الإيجاز أنه يفيد الحصر حقيقة أو مبالغة ، نحو : المنطلق زيد ، ومنه في القرآن فيما ذكر الزملكاني في أسرار التنزيل : الحمد لله [ الفاتحة : 2 ] ، قال : إنه يفيد الحصر كما في : إياك نعبد [ الفاتحة : 5 ] ؛ أي : الحمد لله لا لغيره .

الحادي عشر : ، نحو : جاء زيد نفسه نقل بعض شراح التلخيص عن بعضهم أنه يفيد الحصر .

الثاني عشر : ، نحو : إن زيدا لقائم نقله المذكور أيضا .

الثالث عشر : ، نحو : قائم في جواب : زيد إما قائم أو قاعد ، ذكره الطيبي في شرح " التبيان " .

الرابع عشر : قلب بعض حروف الكلمة ، فإنه يفيد الحصر على ما نقله في الكشاف في قوله : والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها [ الزمر : 17 ] ، قال : القلب للاختصاص بالنسبة إلى لفظ الطاغوت ؛ لأن وزنه على قول فعلوت من الطغيان كملكوت ورحموت ، قلب بتقديم اللام على العين ، فوزنه فلعوت ففيه مبالغات التسمية [ ص: 70 ] بالمصدر ، والبناء بناء مبالغة ، والقلب ، وهو للاختصاص ؛ إذ لا يطلق على غير الشيطان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث