الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 666 ] ثم دخلت سنة أربع وستين وسبعمائة

استهلت هذه السنة وسلطان الإسلام بالديار المصرية ، والشامية ، والحجازية ، وما يتبع ذلك من الأقاليم والرساتيق - الملك المنصور صلاح الدين محمد ابن الملك المظفر حاجي ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون الصالحي ، ومدبر الممالك بين يديه ، وأتابك العساكر الأمير سيف الدين يلبغا ، وقضاة مصر هم المذكورون في التي قبلها ، غير أن ابن جماعة قاضي الشافعية ، وموفق الدين قاضي الحنابلة في الحجاز الشريف . ونائب دمشق الأمير سيف الدين قشتمر المنصوري ، وقاضي القضاة الشافعية الشيخ بهاء الدين ابن قاضي القضاة تقي الدين السبكي ، وأخوه قاضي القضاة تاج الدين مقيم بمصر ، وقاضي قضاة الحنفية الشيخ جمال الدين ابن قاضي القضاة شرف الدين الكفري; آثره والده بالمنصب ، وأقام على تدريس الركنية يتعبد ويتلو ، وينجمع على العبادة . وقاضي قضاة المالكية جمال الدين المسلاتي ، وقاضي قضاة الحنابلة الشيخ جمال الدين المرداوي ، ووكيل بيت المال الشيخ صلاح الدين الصفدي ، وخطيب البلد الشيخ جمال الدين محمود بن جملة ، ومحتسب البلد الشيخ عماد الدين [ ص: 667 ] ابن الشيرجي ، وكاتب السر جمال الدين عبد الله بن الأثير ، قدم من الديار المصرية عوضا عن ناصر الدين بن يعقوب ، وكان قدومه يوم سلخ السنة الماضية ، وناظر الدواوين بدر الدين حسن بن النابلسي ، وناظر الخزانة القاضي تقي الدين بن أبي الطيب ، وناظر الجيش علم الدين داود ، وناظر الجامع تقي الدين بن مراجل ، ودخل المحمل السلطاني يوم الجمعة الثاني والعشرين من المحرم بعد العصر خوفا من المطر ، وكان وقع مطر شديد قبل أيام ، فتلف منه غلات كثيرة بحوران ، وغيرها ، ومشاطيخ زبيب ، وغير ذلك ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

وفي ليلة الأربعاء السابع والعشرين منه بعد عشاء الآخرة ، وقبل دقة القلعة - دخل فارس من ناحية باب الفرج إلى ناحية باب القلعة الجوانية ، ومن ناحية الباب المذكور سلسلة ، ومن ناحية باب النصر أخرى ، جددتا لئلا يمر راكب على باب القلعة المنصورة ، فساق هذا الفارس المذكور على السلسلة الواحدة فقطعها ، ثم مر على الأخرى فقطعها ، وخرج من باب النصر ، ولم يعرف; لأنه ملثم .

وفي حادي عشر صفر ، وقبله بيوم ، قدم البريد من الديار المصرية بطلب الأمير زين الدين زبالة - أحد أمراء الألوف - إلى الديار المصرية مكرما ، وقد كان عزل عن نيابة القلعة بسبب ما تقدم ، وجاء البريد أيضا ومعه التواقيع التي كانت بأيدي [ ص: 668 ] ناس كثير ، زيادات على الجامع ردت إليهم ، وأقروا على ما بأيديهم من ذلك ، وكان ناظر الجامع الصاحب تقي الدين بن مراجل قد سعى في رفع ما زيد بعد التذكرة التي كانت في أيام صرغتمش ، فلم يف ذلك ، وتوجه الشيخ بهاء الدين بن السبكي قاضي قضاة الشام الشافعي من دمشق إلى الديار المصرية يوم الأحد سادس عشر صفر من هذه السنة ، وخرج القضاة ، والأعيان لتوديعه ، وقد كان أخبرنا عند توديعه بأن أخاه قاضي القضاة تاج الدين قد لبس خلعة القضاء بالديار المصرية وهو متوجه إلى الشام عند وصوله إلى ديار مصر ، وهذا مسرور جدا بذهابه إلى مصر ، وذكر لنا أن أخاه كاره للشام . وأنشدني القاضي صلاح الدين الصفدي ليلة الجمعة رابع عشره لنفسه ، فيما عكس على المتنبي في يديه من قصيدته ، وهو قوله :


إذا اعتاد الفتى خوض المنايا فأيسر ما يمر به الوحول

، وقال :


دخول دمشق يكسبنا نحولا     كأن لها دخولا في البرايا
إذا اعتاد الغريب الخوض فيها     فأيسر ما يمر به المنايا

[ ص: 669 ] وهذا شعر قوي ، وعكس جلي لفظا ومعنى .

وفي ليلة الجمعة الحادي والعشرين من صفر عملت خيمة حافلة بالبيمارستان الدقاقي جوار الجامع; بسبب تكامل تجديده قريب السقف مبنيا باللبن حتى قناطره الأربع بالحجارة البلق ، وجعل في أعاليه قمريات كبار مضيئة ، وفتق في قبلته إيوانا حسنا زاد في أعماقه أضعاف ما كان ، وبيضه جميعه بالجص الحسن المليح ، وجددت فيه خزائن ، ومصالح ، وفرش ، ولحف جدد ، وأشياء حسنة فأثابه الله ، وأحسن جزاءه ، آمين .

وحضر الخيمة جماعات من الناس من الخاص والعوام ، ولما كانت الجمعة الأخرى دخله نائب السلطنة بعد الصلاة فأعجبه ما شاهده من العمارات ، وأخبره بما كانت عليه حاله قبل هذه العمارة ، فاستجاد ذلك من صنيع الناظر المذكور .

وفي أول ربيع الآخر قدم قاضي القضاة تاج الدين السبكي من الديار المصرية على قضاء الشام ، عودا على بدء ، يوم الثلاثاء رابع عشره ، فبدأ بالسلام على نائب السلطنة بدار السعادة ، ثم ذهب إلى دار الأمير علي بالقصاعين ، فسلم عليه ، ثم جاء إلى العادلية قبل الزوال ، وجاءه الناس من الخاص والعام يسلمون عليه ، ويهنئونه بالعود ، وهو يتودد ويترحب بهم ، ثم لما كان صبح يوم الخميس سادس عشره لبس الخلعة بدار السعادة ، ثم جاء في أبهة هائلة لابسها إلى العادلية فقرئ تقليده بها بحضرة القضاة والأعيان ، وهنأه الناس ، والشعراء ، والمداح .

[ ص: 670 ] وأخبر قاضي القضاة تاج الدين بموت حسين ابن الملك الناصر ، ولم يكن بقي من بنيه لصلبه سواه ، ففرح بذلك كثير من الأمراء وكبار الدولة; لما كان فيه من حدة ، وارتكاب أمور منكرة .

وأخبر بموت القاضي فخر الدين سليمان ابن القاضي فخر الدين سليمان ابن القاضي عماد الدين بن الشيرجي ، وكان قد اتفق له من الأمر أنه قلد حسبة دمشق عوضا عن أبيه; نزل له عنها باختياره لكبره وضعفه ، وخلع عليه بالديار المصرية ، ولم يبق إلا أن يركب على البريد ، فتمرض يوما ، وثانيا ، وتوفي إلى رحمة الله تعالى ، فتألم والده بسبب ذلك تألما عظيما ، وعزاه الناس فيه ، ووجدته صابرا محتسبا باكيا مسترجعا متوجعا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث