الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل

وقد يغلب أحد الطرفين بحسب المواطن ومقتضيات الأحوال : فيرد التخويف ويتسع مجاله ، لكنه لا يخلو من الترجية ، كما في سورة الأنعام ; فإنها جاءت مقررة للخلق ، ومنكرة على من كفر بالله ، واخترع من تلقاء نفسه ما لا سلطان له عليه ، وصد عن سبيله ، وأنكر ما لا ينكر ، ولد فيه وخاصم ، وهذا المعنى يقتضي تأكيد التخويف ، وإطالة التأنيب والتعنيف ; فكثرت مقدماته ولواحقه ، ولم يخل مع ذلك من طرف الترجية لأنهم بذلك مدعوون إلى الحق ، وقد تقدم الدعاء ، وإنما هو مزيد تكرار إعذارا وإنذارا ، ومواطن الاغترار يطلب فيها التخويف أكثر من طلب الترجية ; لأن درء المفاسد آكد .

وترد الترجية أيضا ويتسع مجالها ، وذلك في مواطن القنوط ومظنته ; كما في قوله تعالى : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا الآية [ الزمر : 53 ] ; فإن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا ، وزنوا وأكثروا ; فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذي تقول [ ص: 171 ] وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا ألنا لما عملنا كفارة ; فنزلت فهذا موطن خوف يخاف منه القنوط ; فجيء فيه بالترجية غالبة ، ومثل ذلك الآية الأخرى : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات [ هود : 114 ] وانظر في سببها في الترمذي والنسائي وغيرهما .

ولما كان جانب الإخلال من العباد أغلب ; كان جانب التخويف أغلب ، وذلك في مظانه الخاصة لا على الإطلاق ; فإنه إذا لم يكن هنالك مظنة [ ص: 172 ] هذا ولا هذا أتى الأمر معتدلا ، وقد مر لهذا المعنى بسط في كتاب المقاصد ، والحمد لله .

فإن قيل : هذا لا يطرد فقد ينفرد أحد الأمرين فلا يؤتى معه بالآخر ، فيأتي التخويف من غير ترجية ، وبالعكس ألا ترى قوله تعالى : ويل لكل همزة لمزة [ الهمزة : 1 9 ] إلى آخرها ; فإنها كلها تخويف وقوله : كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى [ العلق : 6 19 ] إلى آخر السورة .

وقوله : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل [ الفيل : 1 5 ] إلى آخر السورة .

ومن الآيات قوله : إن الذين يؤذون الله ورسوله إلى قوله : فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا [ الأحزاب : 57 58 ] وفي الطرف الآخر قوله تعالى : والضحى والليل إذا سجى [ الضحى : 1 11 ] إلى آخرها وقوله تعالى : ألم نشرح لك صدرك [ الشرح : 1 8 ] إلى آخرها ومن الآيات قوله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى الآية [ النور : 22 ] .

وروى أبو عبيد عن ابن عباس أنه التقى هو وعبد الله بن عمرو ; فقال ابن عباس : أي آية أرجى في كتاب الله ؟ فقال عبد الله : قوله : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله الآية [ الزمر : 53 ] فقال ابن [ ص: 173 ] عباس لكن قول الله : وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي [ البقرة : 260 ] قال ابن عباس : فرضي منه بقوله بلى قال فهذا لما يعترض في الصدور مما يوسوس به الشيطان وعن ابن مسعود ; قال : في القرآن آيتان ما قرأهما عبد مسلم عند ذنب إلا غفر الله له وفسر ذلك أبي بن كعب بقوله تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله [ آل عمران : 135 ] إلى آخر الآية ، وقوله ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما [ النساء : 110 ] [ ص: 174 ] وعن ابن مسعود : إن في النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها ما يعرفونها قوله : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه الآية [ النساء : 31 ] وقوله : إن الله لا يظلم مثقال ذرة الآية [ النساء : 40 ] وقوله : إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية [ النساء : 48 ] وقوله : ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك الآية [ النساء : 64 ] وقوله : ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما [ النساء : 110 ] [ ص: 175 ] وأشياء من هذا القبيل كثيرة ، إذا تتبعت وجدت ; فالقاعدة لا تطرد ، وإنما الذي يقال أن كل موطن له ما يناسبه ، ولكل مقام مقال ، وهو الذي يطرد في علم البيان ، أما هذا التخصيص ; فلا .

فالجواب : إن ما اعترض به غير صاد عن سبيل ما تقدم وعنه جوابان : إجمالي ، وتفصيلي : .

فالإجمالي أن يقال : إن الأمر العام والقانون الشائع هو ما تقدم ; فلا تنقضه الأفراد الجزئية الأقلية لأن الكلية إذا كانت أكثرية في الوضعيات انعقدت كلية ، واعتمدت في الحكم بها وعليها ، شأن الأمور العادية الجارية في الوجود ، ولا شك أن ما اعترض به من ذلك قليل ، يدل على الاستقراء ; فليس بقادح فيما تأصل .

وأما التفصيلي ; فإن قوله : ويل لكل همزة لمزة [ الهمزة : 1 ] قضية [ ص: 176 ] عين في رجل معين من الكفار بسبب أمر معين ، من همزه النبي عليه الصلاة والسلام وعيبه إياه ; فهو إخبار عن جزائه على ذلك العمل القبيح ، لا أنه أجري مجرى التخويف ; فليس مما نحن فيه ، وهذا الوجه جار في قوله : إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى [ العلق : 6 7 ] وقوله : إن الذين يؤذون الله ورسوله [ الأحزاب : 57 58 ] الآيتين جار على ما ذكر .

وكذلك سورة والضحى ، وقوله : ألم نشرح لك صدرك [ الشرح : 1 ] غير ما نحن فيه ، بل هو أمر من الله للنبي عليه الصلاة والسلام بالشكر لأجل ما أعطاه من المنح .

وقوله : ألا تحبون أن يغفر الله لكم [ النور : 22 ] قضية عين لأبي بكر الصديق ، نفس بها من كربه فيما أصابه بسبب الإفك المتقول على بنته عائشة فجاء هذا الكلام كالتأنيس له والحض على إتمام مكارم الأخلاق وإدامتها بالإنفاق على قريبة المتصف بالمسكنة والهجرة ، ولم يكن ذلك واجبا على أبي بكر ، ولكن أحب الله له معالي الأخلاق وقوله : لا تقنطوا [ الزمر : 53 ] وما ذكر معها في المذاكرة المتقدمة ليس مقصودهم بذكر ذلك النقض على ما نحن فيه بل النظر في معاني آيات على استقلالها ، ألا ترى أن قوله : لا تقنطوا من رحمة الله [ الزمر : 53 ] أعقب بقوله وأنيبوا إلى ربكم الآية [ الزمر : 54 ] وفي هذا تخويف عظيم [ ص: 177 ] مهيج للفرار من وقوعه ، وما تقدم من السبب من نزول الآية يبين المراد ، وأن قوله لا تقنطوا [ الزمر : 53 ] رافع لما تخوفوه من عدم الغفران لما سلف .

وقوله : رب أرني كيف تحي الموتى [ البقرة : 260 ] نظر في معنى آية في الجملة وما يستنبط منها ، وإلا ; فقوله : أولم تؤمن [ البقرة : 260 ] تقرير فيه إشارة إلى التخويف أن لا يكون مؤمنا ، فلما قال بلى حصل المقصود وقوله : والذين إذا فعلوا فاحشة [ آل عمران : 135 ] كقوله : لا تقنطوا من رحمة الله [ الزمر : 53 ] وقوله : ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه [ النساء : 110 ] داخل تحت أصلنا لأنه جاء بعد قوله : ولا تكن للخائنين خصيما [ النساء : 105 ] ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إلى قوله : فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا [ النساء : 107 109 ] وقوله : إن تجتنبوا آت بعد الوعيد على الكبائر من أول السورة إلى هنالك ; كأكل مال اليتيم ، والحيف في الوصية ، وغيرهما ; فذلك مما يرجى به بعد تقدم التخويف .

وأما قوله : إن الله لا يظلم مثقال ذرة [ النساء : 40 ] فقد أعقب بقوله : يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الآية [ النساء : 42 ] ، وتقدم قبلها قوله : الذين يبخلون إلى قوله : عذابا مهينا [ النساء : 37 ] بل قوله : إن الله لا يظلم مثقال ذرة [ النساء : 40 ] جمع التخويف مع الترجية [ ص: 178 ] وكذلك قوله : ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم الآية [ النساء : 64 ] تقدم قبلها وأتى بعدها تخويف عظيم ; فهو مما نحن فيه .

وقوله : إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية [ النساء : 48 ] جامع للتخويف والترجية من حيث قيد غفران ما سوى الشرك بالمشيئة ، ولم يرد ابن مسعود بقوله : ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها أنها آيات ترجية خاصة ، بل مراده والله أعلم أنها كليات في الشريعة محكمات ، قد احتوت على علم كثير ، وأحاطت بقواعد عظيمة في الدين ، ولذلك قال : ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها ما يعرفونها ، وإذا ثبت هذا فجميع ما تقدم جار على أن لكل موطن ما يناسبه إنزال القرآن إجراؤه على البشارة والنذارة ، وهو المقصود الأصلي لا أنه أنزل لأحد الطرفين دون الآخر وهو المطلوب ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث