الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              فصل

              وأما الإقرار فمحمله على أن لا حرج في الفعل الذي رآه عليه السلام فأقره ، أو سمع به فأقره ، وهذا المعنى مبسوط في الأصول ، ولكن الذي [ ص: 435 ] يخص الموضع هنا أن ما لا حرج فيه جنس لأنواع : الواجب ، والمندوب ، والمباح بمعنى المأذون فيه وبمعنى أن لا حرج فيه ، وأما المكروه ; فغير داخل تحته على ما هو المقصود لأن سكوته عليه يؤذن إطلاقه بمساواة الفعل للترك ، والمكروه لا يصح فيه ذلك ; لأن الفعل المكروه منهي عنه ، وإذا كان كذلك ; لم يصح السكوت عنه ، ولأن الإقرار محل تشريع عند العلماء ; فلا يفهم منه المكروه بحكم إطلاق السكوت عليه دون زيادة تقترن به ، فإذا لم يكن ثم قرينة ولا تعريف أوهم ما هو أقرب إلى الفهم ، وهو الإذن أو أن لا حرج بإطلاق ، والمكروه ليس كذلك .

              لا يقال : فيلزم مثله في الواجب والمندوب ; إذ لا يفهم بحكم الإقرار فيه غير مطلق الإذن أو أن لا حرج ، وليسا كذلك ; لأن الواجب منهي عن تركه ومأمور بفعله ، والمندوب مأمور بفعله ، وجميع ذلك زائد على مطلق رفع الحرج ; فلا يدخلان تحت مقتضى الإقرار ، وقد زعمت أنه داخل ، هذا خلف [ ص: 436 ] لأنا نقول : بل هما داخلان لأن عدم الحرج مع فعل الواجب لازم للموافقة بينهما ; لأن الواجب والمندوب إنما يعتبران في الاقتضاء قصدا من جهة الفعل ، ومن هذه الجهة صارا لا حرج فيهما ، بخلاف المكروه ; فإنه إنما يعتبر في الاقتضاء من جهة الترك ، لا من جهة الفعل ، وأن لا حرج راجع إلى الفعل ; فلا يتوافقان ، وإلا ; فكيف يتوافقان والنهي يصادم عدم الحرج في الفعل ؟ فإن قيل : من مسائل كتاب الأحكام أن المكروه معفو عنه من جهة الفعل ، ومعنى كونه معفوا عنه هو معنى عدم الحرج فيه ، وأنت تثبت هنا الحرج بهذا الكلام .

              قيل : كلا ، بل المراد هنا غير المراد هنالك ; لأن الكلام هنالك فيما بعد الوقوع لا فيما قبله ولا شك أن فاعل المكروه مصادم للنهي بحتا كما هو مصادم في الفعل المحرم ولكن خفة شأن المكروه وقلة مفسدته صيرته بعد ما وقع في حكم ما لا حرج فيه ; استدراكا له من رفق الشارع بالمكلف ، ومما يتقدمه من فعل الطاعات تشبيها له بالصغيرة التي يكفرها كثير من الطاعات ; كالطهارات ، والصلوات ، والجمعات ، ورمضان ، واجتناب الكبائر ، وسائر ما ثبت من ذلك في الشريعة ، والصغيرة أعظم من المكروه ; فالمكروه أولى بهذا الحكم فضلا من الله ونعمة .

              وأما ما ذكر هنا من مصادمة النهي لرفع الحرج ; فنظر إلى ما قبل الوقوع ، ولا مرية في أن الأمر كذلك فلا يمكن والحال هذه أن يدخل المكروه تحت [ ص: 437 ] ما لا حرج فيه ، وأمثلة هذا القسم كثيرة ; كقيافة المدلجي في أسامة وأبيه زيد ، وأكل الضب على مائدته عليه الصلاة والسلام .

              وعن عبد الله بن مغفل ; قال : أصبت جرابا من شحم يوم خيبر ، قال : فالتزمته فقلت : لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا ، قال : فالتفت فإذا رسول الله متبسما .

              وقد استدل بعض العلماء على طهارة دم النبي عليه الصلاة والسلام بترك الإنكار على من شرب دم حجامته

              التالي السابق


              الخدمات العلمية